الصفحة 21 من 109

وللإمام القرطبي رد على هذا الزعم حيث قال في تفسيره: ما ذكر من رؤيته لهم بالأندلس فإنما هم غيرهم، لأن الله تعالى يقول في حق أصحاب الكهف: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: 18] . وقال ابن عباس لمعاوية حينما كانا في غزوة ببلاد الروم لما أراد رؤيتهم: قد منع الله من هو خير منك عن ذلك. [1] .

وكما اختلفوا في مكانهم، فقد اختلفوا في زمانهم حتى زعم بعضهم أنهم كانوا قبل عيسى - عليه السلام - وأغرب بعضهم فزعم أنهم كانوا قبل موسى - عليه السلام - لأن اليهود كانوا على معرفة بهم، والذي أرجحه والله أعلم أنهم كانوا بعد عيسى - عليه السلام - وقبل بعثة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة اليهود بهم ليست دليلا قاطعا على كونهم قبل موسى أو بعده، لأنه لا تلازم بين ما يعرفونه وما يؤمنون به فقد يعرفون شيئا لكنهم لا يؤمنون به، ومن ذلك معرفتهم بالمصطفى - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك لا يقرون برسالته ولا يؤمنون بنبوته.

قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) } البقرة: 146.

لكن الذي أراه هو البعد عن هذه التفصيلات التي لم ترد في القرآن والسنة ولو كان لمعرفتها عظيم فائدة لوردت وإنما العبرة بما في القصة من مقاصد ومعان ودروس وعظات، ولقد نهانا الله جل وعلا عن الاستطراد إلى ما لم يرد فيه نصٌّ صحيح في شأن هذه القصة كما نهانا عن الرجوع إلى أهل الكتاب لنستأنس بما لديهم في شأنها قال تعالى {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22) }

والذي يفيده السياق أنهم عاشوا في زمان ملك كافر مشرك ظالم، يحملُ الناس على الكفر مستعينا بمن حوله من الكهنة والسدنة، الذين يروِّجون للكفر، ويصرفون أنظار العوامّ إلى الخرافات والأساطير ويلهونهم بالأعياد والملاهي والطقوس، ولما شرح الله صدور أولئك الفتية، وتآلفت قلوبهم وتعارفت أرواحهم واجتمعت كلمتهم على رفض ما عليه قومُهم من ضلال، بل والإنكار عليهم ودعوتهم إلى الحق؛ رُفِعَ أمرُهم إلى الملك الظالم، ولم تُجْدِ معهم الوعودُ والإغراءاتُ، فتوعّدهم وهددهم إن لم يرجعوا إلى دينه ودين أتباعه، وأمهلهم، وقبل انقضاء المهلة لم يجدوا بُدًّا من الفرار بدينهم، فخرجوا تحت جُنْحِ الظلام وساروا حتى وصلوا إلى الكهف.

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10/ 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت