وهكذا مات عبد الله بن أم مكتوم بعد أن سطر في عالم الإيجابية سطورًا منيرة يستضئ بها السراة ، ويهتدى بها السالكون ، ويداوى بها مرضى الكسل والدعة والعجز والركون .
وعلى هذا المنهج سار التابعون ، وضربوا لنا نماذج عالية المقام في الجدية والبذل واستنفاد كل القوى والإمكانات في سبيل الله عز وجل
وعلى حد قول عمر بن عبد العزيز صلى الله عليه وسلم?:"إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما"؛ فهو ارتقاء دائم ، وعمل دائب ؛ قال حماد بن سلمة يصف جدية سليمان التيمى: ما أتينا سليمان التيمى في ساعة يطاع فيها الله جل جلاله فيها إلا وجدناه مطيعًا ، وإن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليًا ، وإن لم يكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئًا ، أو عائدًا مريضًا ؟ أومشيعًا لجنازة ، أو قاعدًا في المسجد ، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن يعصى الله جل جلاله . حلية الأولياء ، جـ3 ص28
وقال المحدث إبراهيم الحربى:"لقد صحبت أحمد بن حنبل عشرين سنة صيفًا وشتاءً وحرًا وبردًا ، وليلًا ونهارًا ، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس"مناقب أحمد بن حنبل ، لابن الجوزى ، ص140
ومن هذا المنطلق فهم الدعاة على مدار العصور أن السعادة والرفعة للدعوة والداعية لا تتحقق بالدعة والكسل ، والركون إلى طيب المطعم والمشرب ، ولبس أجمل الثياب ، وركوب أفخر المراكب ، ولكن السعادة الحقيقية والرفعة الحقيقية تكمن في ركوب المصاعب والصبر على المكاره .
قال الإمام ابن القيم:"فالمكارم منوطة بالمكاره ، والسعادة لا يُعْبَرُ إليها إلا على جسر المشقة فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد"وقد قيل من طلب الراحة ترك الراحة وهو المعنى الذى أشار إليه الأصفهانى .