الداعية صاحب أمانة عالية ، وعلى عاتقة أُلقيت أحمال ، وبجهده علقت آمال ، وبه يرجى صلاح الأحوال ، فهو حامل رسالة الإسلام إلى البشرية كلها ، وهو طريق السالكين إلى ربهم ، بعلمه يستضيئون ، ولتوجيهاته يتبعون ، وبعلمه يقتدون .
فهو المعلم في المساجد وحلقات العلم والدراسة ، وهو الفقيه الأمين الذى عنده الإجابة عن استفسارات الناس وما يعنُّ لهم ، وهو المصلح الاجتماعى في منطقته والأمين على الأسرار ، وهو المجاهد في سبيل دينه ودعوته ، وهو العابد الذى يتزود لكل هذه المهام بقيام الليل ودعاء السحر والذكر والقرآن والصلاة ، حتى يكون له من ربه العون ويصحبه التوفيق ، ويكتب له الهداية والرشاد .
ومن هنا: فإن هذه المهام الجسام ، لا يقوم بها إلا صاحب شخصية متميزة تستسهل الصعاب وتبذل الجهد ، وتستلذ بالتعب ، شخصية عنوانها العام وسمتها البارز هو الجدية .
لذا كان لابد أن نتعرف على الجدية:
إن شئت أن تعرِّفها فلك أن تقول: إنها الإيجابية أو علو الهمة .
وفى اللغة: يقول ابن منظور - رحمه الله -:"الجد نقيض الهزل جد في الأمر يَجِدُّ ويَجُدُّ - بالكسر والضم - ، وعذاب جِدُ: محقق مبالغ فيه .. وجد في أمره يجد جدًا وأجد: حقق .. ويقال أجد فلان في أمره إذا كان ذا حقيقة ومضاء"لسان العرب ، جـ10 ص564 ، مادة: جدد .
وبهذا يتبين أن الجدية تعنى:"الاجتهاد في الأمر ، والمبالغة في تحقيقه ، والاهتمام به ، والإسراع في إنجازه".
والداعية إلى كل هذه المعانى في حاجة ماسه .
فهو محتاج إلى الاجتهاد في دعوته حتى يصل إلى تحقيق أهدافه ، كما يحتاج إلى بذل الطاقة والوسع والاهتمام بدعوته والحرص عليها ، كما يحتاج إلى الإسراع ونفى التردد والقعود في وسط الطريق أو التولى عنه والتكاسل فيه ، كما يحتاج إلى الديمومة على العمل حتى يتحقق المقصود .
إلى كل هذا وغيره يحتاج الداعية ، وإلى هذا الداعية الايجابى تحتاج كل الأمة .