ويكفينا للرد على هذا التوهم ما ورد عن سيدنا أبى بكر عليه السلام أنه خطب الناس يومًا وقال:"يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية الكريمة وتضعونها في غير موضعها: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) ، وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب » رواه أحمد وأصحاب السنن."
وعلى ذلك فإن الآية الكريمة إنما تتحدث عن أناس أدوا دورهم ، وقاموا بواجبهم في الأمر والنهى ، لكن لم يُسمَع لهم ، ولم يُلْتَفَتْ إلى نصيحتهم ، فأخبرهم الله بأنهم لا حرج عليهم ، ولا ذنب لهم .
وهذا الفهم يستقيم مع قول الله تعالى: لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ، فالشرط هو الاهتداء ، ولا يكون ذلك إلا بأداء المرء ما فرض عليه من الواجبات ، وعلى رأسها الدعوة إلى الله تعالى ، ومن هنا فإن العبد لا يكون مهتديًا حقًا إلا إذا قام بواجب الدعوة .
الشبهة الثالثة:
قد يتعلل البعض لترك الدعوة بأن الشر قد انتشر ، وبأن الباطل قد تمكن ، ولم تَعُدْ تجدى محاولات الإصلاح ، فالأمور في نظره تمضى من سيئ إلى أسوأ ، وبناء على هذا فإنه يصلح من أمر نفسه ، ولا يكلف نفسه دعوة الآخرين .
ويجاب عن هذا بأن قيام المسلم بدعوة الآخرين إلى الله أمر تعبدى في ذاته ، يفعله المسلم طلبًا لمرضاة الله تعالى دون نظر إلى استجابة الناس له أو عدم استجابتهم ، فأمر الاستجابة مرده إلى توفيق الله تعالى للداعى .
يقول الإمام النووى:"لا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لكونه لا يغير في ظنه ، بل يجب عليه فعله ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين ، فإن الذى عليه الأمر والنهى لا القبول"شرح النووى على صحيح مسلم ، جـ2 ص22 .