وردَّ ابن فضال هذين الوجهين الثاني والثالث، فقال:"فلا يجوز أن تكون (ما) غير نافية؛ فقد ذهب إليه بعض القدرية؛ لأن من أصل مذهبهم أن الخير من الله دون الشر، والأول المذهب" [1] .
وأرى أن الوجه الصحيح هو أن تكون (ما) نافية، كما ذكر ابن فضال، وأما كونها موصولة منصوبة بالفعل (يختار) غير موقوف عليه، فليس هو مذهب بعض القدرية وحدهم، فقد ذكرنا فيما سبق أن ابن جرير الطبري من أهل السنة قد ذهب إلى هذا المذهب، ومنع أن تكون (ما) نافية، وهذا الذي قاله ابن جرير مروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - على حين نرى أن الزمخشري، وهو من كبار المعتزلة، يوافق في مذهبه كلام أهل السنة [2] .
15 -خبر (أنَّ) في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} [3] .
أجمع المُعْربون في كتبهم على أن خبر (أنَّ) في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} هو الظرف الذي في (فيكم) [4] . وقدِّم خبر (أن) على اسمها، والقصد من ذلك: التشدد على بعض المؤمنين لتحاشي ما استهجنه الله - تعالى- من محاولتهم اتباع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم لآرائهم [5] ، وذهب الزمخشري إلى أن الجملة المصدرة بـ (لو) في قوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} لا تكون كلامًا مستأنفًا؛ لأدائه إلى تنافر النظم، ولكن متصلًا بما قبله حالًا من أحد الضميرين في (فيكم) المستتر المرفوع أو البارز المجرور، وكلاهما مذهب سديد، والمعنى: (أن فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم تغييرها) ، أو (أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها، وهي أنكم تحاولون منه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعن لكم من رأى) [6] .
وأما ابن فضال فقد ذهب إلى أن"هذا القول فيه نظر؛ لأن حق الخبر أن يكون مفيدًا، ولا يجوز: (النار حارة) ؛ لأنه لا فائدة في الكلام. ومجاز هذا القول: أنه على طريق التنبيه لهم على مكان رسول الله لى"
(1) النكت 465 - 466، 2/ 470 ط الرشد.
(2) انظر: الدر المصون 8/ 690.
(3) سورة الحجرات آية 7.
(4) انظر: البحر 9/ 513.
(5) انظر: إعراب القرآن وبيانه لمحي الدين الدرويش 7/ 249.
(6) الكشاف 3/ 560.