والثاني: أنها موصولة منصوبة بقوله: (ويختار) ، والعائد محذوف، والتقدير: (ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة) ، أي: (يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح) ، والله - تعالى - أعلم بمصالحهم من أنفسهم، ثم حذف (فيه) للعلم به، و (الخيرة) اسم (كان) ، وأجازه الزجاج، والباقولي [1] .
وذهب إلى هذا الإمام الطبري، وهو مروي- أيضًا- عن ابن عباس - رضي الله عنهما- والمعنى عنده: (ويختار من الرسل والشرائع ما كان خيرة للناس، كما لا يختارون هم ما ليس إليهم، ويفعلون ما لم يؤمروا به) [2] .
ورده النحاس؛ لأن (ما) لو كانت في موضع نصب لم يعد عليه شىء، وفي هذا رد على القدرية [3] ، وهذا الوجه كما ذكر مكي بن أبي طالب - بعيد في المعنى والاعتقاد؛"لأن كونها للنفي يوجب عموم جميع الأشياء في الخير والشر، أنها حدثت بقدر الله واختياره، وليس لمخلوق فيها اختيار غير اكتسابه بقدر من الله له، وإذا كانت (ما) في موضع نصب بـ (يختار) لم تعم جميع الأشياء أنها مختارة لله، إنما أوجبت أنه يختار ما كان لهم فيه الخيرة لا غير، وبقى ما ليس لهم فيه الخيرة، وهو الخير موقوفًا" [4] .
وردَّه أبو حيان - أيضًا- لما فيه من تقدم العائد على الموصول، وأجيب بأن التقدير: (ما كان لهم فيه الخيرة) ، وحذف لدلالة المعنى عليه [5] .
ونقل السمين الحلبي عن بعضهم أن (ما) واقعة على العقلاء، والمعنى: (ويختار لهم ما يشاء من الرسل) [6] ، وهو ما ذكره الطبري كما وضحنا ذلك فيما سبق.
وأجاز ابن عطية أن تكون (كان) تامة، أي: (إن الله يختار كل كائن) ، وجملة (لهم الخيرة) مستأنفة [7] .
الثالث: أنها مصدرية، والمعنى: (ويختار اختيارهم) ، والمصدر واقع موقع المفعول به، أي: (مختارهم) [8] ، وهذا الوجه عند المنتجب الهمداني- فيه تعسف وتكلف [9] .
(1) انظر: كشف المشكلات 2/ 202.
(2) انظر: جامع البيان 20/ 64، والبحر المحيط 8/ 320.
(3) إعراب النحاس 3/ 241، وانظر: الكتاب الفريد 5/ 147، والدر المصون 8/ 690.
(4) المشكل لمكي 2/ 164.
(5) البحر المحيط 8/ 320.
(6) الدر المصون 8/ 691.
(7) انظر: المحرر الوجيز 12/ 182، والبحر المحيط 8/ 321، والدر 8/ 690.
(8) انظر: الإملاء للعكبري 2/ 9، والدر المصون 8/ 690.
(9) الكتاب الفريد 5/ 148.