الثاني: أن الفاء قد دخلت بين (أنَّ) الأولى والثانية، والفاء لا تدخل بين المؤكد والمؤكِّد، ولا بين البدل والمبدل منه، وقد وجد ههنا؛ فينبغي ألا يكون توكيدًا، وبدلًا [1] ، وردَّ العكبري ذلك بأن جعلها بدلًا يوجب سقوط جواب (مَنْ) من الكلام [2] .
الرابع: أن يكون عطفًا على الأولى للتوكيد [3] ، وذهب إلى هذا الزجاج، والنحاس، وتبعهما الزمخشري؛ وابن عطية [4] .
وردَّ ابن فضال هذا الإعراب؛ فقال:"وهذا قول الزجاج، وفيه نظر؛ لأن الأكثر في التوكيد إسقاط حرف العطف" [5] .
وتتضح من عبارة ابن فضال أنه يجيز ذلك على ضعف، وأنه يرى أن فيها نظرًا، وقد سبقه إلى هذا الاعتراض الفارسي، ومكي، وتبعهما أبو البركات الأنباري، والمنتجب الهمداني، وأبو حيان، والسمين الحلبي [6] ، وذلك لأن (من تولاه) شرط، والفاء في جواب الشرط، ولا يجوز العطف على (أنَّ) الأولى إلا بعد تمامها من صلتها؛ لأن ما بعدها من صلتها، ولم تتم بصلتها؛ فلم يجز العطف عليها؛ لأنه لا يجوز العطف على الموصول إلا بعد تمامه، والشرط وجوابه ههنا هما خبر (أنَّ) الأولى، وأيضًا"لأنك إذا جعلت (فأنه) عطفًا على (أنه) بقيت (أنه) بلا استيفاء خبر؛ لأن (مَنْ تولاه) (مَنْ) فيه مبتدأ، فإن قدرتها موصولة فلا خبر لها حتى تستقل خبرًا لـ (أنه) ، وإن جعلتها شرطية فلا جواب لها؛ إذ جعلت قوله: (فأنه) عطفًا على (أنه) " [7] ، وبهذا يظهر أن ما ذهب إليه ابن فضال صحيح في رد هذا الإعراب الذي ذكره الزجاج والنحاس وغيرهما.
14 -الرد على من زعم أن (ما) غير نافية في قوله تعالى:
{مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ} [8] .
أجاز النحويون ثلاثة أوجه في (ما) من قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [9] ، وهي:
(1) انظر في ذلك: المشكل لمكي2/ 91، وكشف المشكلات 2/ 127، والبيان 2/ 169.
(2) الإملاء للعكبري 2/ 10.
(3) البيان 2/ 168.
(4) انظر: معاني القرآن للزجاج 3/ 411، وإعراب النحاس 3/ 86، والمشكل لمكي 2/ 91، والكشاف 3/ 5، والمحرر الوجيز 11/ 176، والبحر المحيط 7/ 483، والدر المصون 8/ 227.
(5) النكت 412، 1/ 412ط الرشد.
(6) انظر: الإغفال 2/ 420، والمشكل لمكي 2/ 91، والبيان 2/ 169، والكتاب الفريد 4/ 529، والبحر المحيط 7/ 484، والدر 8/ 228.
(7) البحر المحيط 7/ 484، والدر المصون 8/ 228.
(8) سورة القصص آية 68.
(9) سورة القصص آية 68.