وهذا الوجه ضعيف؛ لأنه غير مفيد؛"إذ من المعلوم أن الرزق شيء من الأشياء، ويؤيد ذلك: أن البدل يأتي لأحد معنيين: البيان أو التأكيد، وهذا ليس فيه بيان ولا تأكيد" [1] .
2 -الوجه الثاني: أنه منصوب بـ (رزقًا) على أنه اسم مصدر، والتقدير: (لا يملك أن يرزق أحدًا شيئًا) ، كما قال الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [2] ، أي: (تكفت الأحياء والأموات) [3] .
وهذا هو مذهب الكوفيين كالفراء، ورجحه الفارسي، واختاره ابن بابشاذ، وعبد القاهر الجرجاني، والباقولي [4] .
ورد ابن فضال المجاشعي هذا الوجه، فقال:"وفيه بُعْد؛ لأن (الرزق) اسم، والأسماء لا تعمل، والمصدر (الرَّزْق) " [5] .
وقد سبقه إلى ذلك: المبرد في الكامل [6] ، وتبعه ابن الطراوة؛ لأن (الرِّزق) - عندهما - اسم المرزوق، كالرِّعْي والطِّحْن، وإنما المصدر هو (الرَّزق) بفتح الراء، كالرَّعْي، والطَّحْن [7] ، واسم المصدر لا يعمل عند البصريين إلا في الشعر [8] ؛ فلا يجوز: (عجبت من دُهن زيد لحيته) حتى يقول: (من دَهْن) [9] .
وأرى أن ما ذكره المبرد، وابن فضال مردود؛ لأن (الرِّزق) بالكسر يكون أيضًا مصدرًا، وقد سُمع ذلك فيه عن العرب، كما حكاه المرتضى الزبيدي [10] ؛ ولذلك صح أن يعمل في المفعول به، والمعنى: (ما لا يملك أن يرزق من السماوات والأرض شيئًا) ، و (من السماوات) على ذلك يتعلق بهذا المصدر [11] .
(1) الدر المصون 7/ 266.
(2) سورة المرسلات آية 25 - 26.
(3) انظر: معاني الأخفش 2/ 607، والكشاف 2/ 419، والبيان 2/ 81.
(4) انظر: معاني الفراء 2/ 110، والإيضاح للفارسي 181 - 182، والتعليقة للفارسي 1/ 4، وشرح المقدمة المحسبة لابن بشاذ 2/ 394، والمقتصد 1/ 554، وكشف المشكلات للباقولي 2/ 28، وانظر أيضًا: جامع البيان 14/ 99، وإعراب النحاس 2/ 403، والكتاب الفريد 4/ 136، والجامع لأحكام القرآن 10/ 153.
(5) النكت 342، 1/ 339ط الرشد.
(6) الكامل 1/ 328.
(7) انظر: الكتاب الفريد للمنتجب 4/ 136، والبحر 6/ 565، والدر المصون 7/ 266.
(8) وذلك كقوله: أكفرًا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا
انظر: مشكل مكي 2/ 19، 20، والبيان 2/ 81، والمساعد 2/ 239، وإن كان بعضهم قد أجاز ذلك كالعكبري، انظر: إملاء ما من به الرحمن 2/ 46.
(9) إعراب النحاس 2/ 403.
(10) تاج العروس 25/ 336.
(11) البحر المحيط 6/ 565، والدر المصون 7/ 267.