الأسر يربى في قلب الإنسان روح التمرد وعدم الإذعان والتسليم، مما جعله يتمرد على مرويات اللغويين، فلا يقبلها إلا بعد وضعها على الميزان، فإن صحت له سماعًا أو رواية عن ثقة قبلها، وإلا ردها0
هذه الأمور كانت دعائم ومددًا ورافدًا للنقد اللغوى عنده0
ولقد كان الأزهرى أمينًا في نقله، ينسب الأقوال - في الكثير الغالب - لأصحابها، ويبدو أن أفاد ذلك من رجال الفقه والحديث، وهذا الأسلوب يدل على أمانته العلمية، التى يشدد عليها أساتذتنا وعلماء العربية اليوم0
ولقد كان صاحب شخصية بارزة، فلم يكن بَبَّغاء يردد كلام الآخرين، لكنه كان يحاور ويناقش ويضيف من ثروته اللغوية ومطالعاته - الكثير الذى لم يسبق إليه فيما تقدمه من معجمات، يقول الدكتور رشيد العبيدى:"النظرة المتفحصة في هذا المعجم [يعنى التهذيب] تطلع الباحث على أصالة مؤلفه، وبروز شخصيته المتمثلة في التنظيم والنقد اللغوى الصحيح" [1] 0 ويقول:"لم يكن الأزهرى مجرد ناقل لمذاهب اللغويين وأقوالهم، فقد أضاف إلى التهذيب كثيرًا من زياداته وتوسعاته 000 وتتسم هذه التعليقات والزيادات بطابع النقد المبنى على أسس علمية متقنة رصينة، وموضوعية واضحة، 000 ويبرز فيها - كذلك - جانب العناية بشرح الشواهد وتفسير ما غمض منها، وبيان أوجه الخلاف، وترجيح أو تقوية ما ترجح صحته عنده" [2] 0
وأهم ما يميز شخصية الأزهرى نظرته النقدية المنهجية، فلم يكن"يرسل نقده اعتباطًا ولا عبثًا، ولكنه يقويه ويؤكده بالسماع أو الرواية أو النقل أو المشاهدة، وهو يرفض من الليث أحيانًا أن يحدث أو يخمن أو يقيس قياسات لاتطرد؛ لأن السماع - عنده - في اللغات أولى به من القول بالحدث والظن وابتداع قياسات لاتستمر ولا تطرد، غير أن الباحث لا يعدم مواقف للأزهرى يقفها إلى جانب الليث، ويأخذ أقواله وتفسيراته، وربما وجه إليه شيئًا من الثناء والنقد" [3] ، وهذا ما سيتضح من خلال تحليل الأمثلة النقدية0
لكنه كان قاسيًا في نقده، عنيفًا في حكمه، خاصة مع الشخصيات التى وقف منها موقف العداء في مقدمته، فقدحهم وحط من شأنهم، فهو"يتناول الشخصيات اللغوية تناولًا عنيفًا قاسيًا، لا يتوانى في أن يكيل للمخطئ من هذه الشخصيات من الصفات ما يعبر عن خشونة"
(1) الأزهرى في كتابه تهذيب اللغة د0 رشيد عبد الرحمن العبيدى، أطروحة دكتوراه بكلية الآداب جامعة القاهرة، إشراف أ0د0 حسين نصار، 1393هـ - 1973م0
(2) الأزهرى في كتابه تهذيب اللغة، د0 رشيد العبيدى 380 0
(3) الأزهرى في كتابه تهذيب اللغة، د0 رشيد العبيدى 408-409 0