الصفحة 9 من 20

, وإنا نحب الخير كما تحبه عائشة فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يراجعني , فجاءني صواحبي فأخبرتهن بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكلمني , فقلن والله لا تدعيه , وما هذا حين تدعيه , قالت: فدار , فكلمته فقلت إن صواحبي قلن لي: أن أكلمك تأمر الناس فيهدون لك حيث كنت , فقلت له: مثل المقالة الأولى مرتين أو ثلاثا , كل ذلك يسكت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة , فإني والله ما نزل الوحي علي وأنا في ثوب امرأة من عائشة , قالت , فقلت: أعوذ بالله أن أسوءك في عائشة) فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم في المرة الأولى والثانية دليل قاطع على رفضه فكرة مخاطبة الناس في شأن هداياهم , والسيدة أم سلمة فهمت ذلك , لكنها أعادت كلامها لإلحاح زوجات النبي عليها.

لكن السؤال: ما العلاقة بين نزول الوحي وهدايا الناس؟ ولماذا كان الرد هو: فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة؟ إن الذي ألمحه هنا أن الأمر متعلق برغبته صلى الله عليه وسلم في قضاء حوائج الناس , فما دام الوحي لا ينزل إلا في بيت عائشة - رضي الله عنها - فليأت الناس بهدايهم , ولا يخلو الأمر حين الهدية من سؤال , أو طلب حاجة في الدين , فليأت الناس بهداياهم , وليسعدوا بإجابة الوحي على ما يسألون عنه , وليس في الأمر حرمان للنساء من طعام الناس , فالطعام يوزع على الجميع , وبهذا نفهم أن رسول الله لم يوجه الناس , ولم يأمرهم أن يوزعوا هداياهم على جميع الأيام , وعند جميع النساء حتى يوافقا بهداياهم نزول الوحي , فيسألوا عن أمورهم في وجود الوحي , أو عند نزول الوحي فتكون الإجابة حاضرة. أما إذا قلت ولم ينزل الوحي في بيت عائشة وحدها , وفي ليلتها؟ فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ومن نماذج دلالة السكوت على الرفض ما رواه أبو هريرة في قصة ماعز , وإقامة الحد عليه , فلقد جاء في رواية (فقال هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم , أتيت منها حراما كما يأتي الرجل من امرأته حلالا , قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني , فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجم , فرجم , فسمع رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يدع نفسه حتى رجم رجم الكلب , قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما , ثم سار ساعة , فمر بجيفة حمار شائل برجله , فقال أين فلان وفلان؟ فقالا: نحن ذا يا رسول الله , فقال لهما: كلا من جيفة هذا الحمار , فقالا: يا رسول الله , غفر الله لك , من يأكل من هذا؟!!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفا أشد من أكل هذه الجيفة , فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة) لا شك أن الإنكار والرفض , وبيان فحش ما قالوه لن يبلغ درجة هذا المشهد الذي تجسد أمامهم في أمرهم بالأكل من الجيفة , وأي كلام يبلغ هذه الدرجة؟!!! لقد سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم , ليس لأنه رافض فقط لكلامهم , ولكن لأن الكلام في هذا السياق لا يحمل المعنى الذي يريد صلى الله عليه وسلم أن يوصله إليهم , لقد توارى اللفظ ساعة , حتى حانت الفرصة فاستثمرها في بيان قبح ما قالوه.

دلالة السكوت على الانتظار: هناك أمور كثيرة تحتاج إلى فكر وروية , وإدراج الأمر على القلب لاستفتائه , أو العقل لمراجعته , أو الوحي لاستشارته , أو حتى انتظار الفرصة ليكون الكلام أبلغ , وعندها يفضل السكوت , وفي كل ذلك لا ينفع التعجل بالكلام , ويظهر السكوت عاليَ الصوت ليبين للسامع أن الأمر في حالة مراجعة , لإخراج الأنسب من الإجابات , ولا يعني السكوت أبدا التردد , أو الاضطراب. وفي الحديث الشريف كثير من هذه النماذج , ومنها حديث أبي سعيد الخدري: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت