الصفحة 10 من 20

الأرض , قيل: وما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا. فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت النبي صلى الله عليه وسلم , حتى ظننت أنه يُنزّل عليه , ثم جعل يمسح عن جبينه. فقال: أين السائل؟ قال: أنا , قال أبو سعيد: لقد حمدناه حين طلع لذلك. قال: لا يأتي الخير إلا بالخير , إن هذا المال خضرة حلوة , وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا أو يلم , إلا آكلة الخضر , اختلفا , حتى إذا امتدت خاصرتاها , استقبلت الشمس , فاجترت ,وثلطت وبالت , ثم عادت فأكلت , وإن هذا المال حلوة , من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو , ومن أخذه بغير حقه كان ليث يأكل ولا يشبع) فالسكوت هنا يشعرك بأن السؤال كان نتيجة أصول معتبرة أقرها الإسلام , وخالف بعضها بعضا , وأراد الصحابي الجليل أن يستبين الأمر , فالإسلام يقر بأن المال خير , قال تعالى ,"وإنه لحب الخير لشديد"العاديات 8 ثم يأتي هذا الحديث ليقول: إن هذا الخير الذي يبسط للناس مصدر خوف وقلق من رسول الله على أمته , وهنا يطرأ السؤال , وهل الخير يستجلب الشر؟ وهو سؤال معتبر , واستدعى السكوت حتى يتبين الأمر من الوحي , أو من القلب , أو حتى من العقل , وهنا تدخل الوحي ليحسم الأمر , وليزيل الإبهام , فالخير لا يأتي إلا بالخير , لكن الشر يكمن في التعامل مع هذا الخير , وتوجيهه حيث يحب الله تعالى , فالمال - من حيث هو زهرة الدنيا ونعيمها - خير كبير , ولكن حين يرمي به في مصرف السوء يتحول هذا الخير إلى وبال على صاحبه. وهب أنك تتحدث عن الصلاة أو الصيام , فكلاهما من حيث أنهما فريضتان خير كبير , ولكن حين تلهيك النوافل عن اكتساب قوت يومك , أو الإنفاق على عيالك فتعرضهم للضياع يتحول الأمر إلى شر , وهذا ما أراد الحديث أن يجليه للصحابة , فبدأ بالسكوت ليستقر السؤال في عقول الجميع , ويبحث كل منهم في مدركاته عن إجابة , فلا يجد , ويظنون أن الأمر فيه حرج لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى (أنهم لامو الرجل , حيث رأوا سكوت النبي صلى الله عليه وسلم , فظنوا أنه أغضبه , ثم حمدوه آخرا لما رأوا مسألته سببا لاستفادة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم , فالمال ولو كثر فهو من جملة الخير وإنما يعرض له الشر بعارض البخل به عمن يستحقه , والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيرا فلا يكون شرا , وبالعكس , ولكن يخشى على من رُزق الخير أن يعرض له في تصرفه فيه ما يجلب له الشر. كأن يدعوهم المال إلى الطغيان , والظلم , ولذلك علق ابن كثير على قوله تعالى:(ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) الشورى 27 فقال: أي: لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرا وبطرا) لذلك جاءت رواية تقول عن المال:"أَوَ خير هو؟"ثلاث مرات وهو استفهام إنكاري , أي: إن المال ليس خيرا حقيقا , وإن سمي خيرا , لأن الخير الحقيقي هو ما يعرض له من الإنفاق في الحق , كما أن الشر الحقيقي فيه ما يعرض له من الإمساك عن الحق , والإخراج في الباطل) وهذا وجه آخر لتفسير السكوت , وكأن السكوت كان تعجبا من النظر إلى المال على أنه خير وهو في الحقيقة شر , وإنما يعرض الخير له إن أنفق في الحق

ومن نماذج دلالة السكوت على الانتظار , دون أن يراد القبول أو الرفض ما جاء في قصة استئذان سيدنا عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أشيع أنه طلق زوجاته , وكان الغلام يستئذن لعمر , وكان رسول الله يسكت. فالسكوت هنا ليس رفضا للدخول , وإنما هناك شاغل صرف النفس عن استقبال الفاروق يقول ابن حجر: (وفيه أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام , وأفضل في بعض الأحايين لأنه عليه الصلاة والسلام لو أمر غلامه برد عمر لم يجز لعمر العود إلى الاستئذان مرة بعد أخرى , فلما سكت فهم عمر من ذلك أنه لم يؤثر رده مطلقا) بل وأعاد الاستئذان حتى سمح له بالدخول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت