الصفحة 11 من 20

وفي مقام آخر يكون السكوت انتظارا لتنفيذ شيء أمر به رسول الله , كما في قصة عبد الله بن أبي السرح , وكان كاتبا للوحي (ولما نزلت الآية التي في سورة المؤمنون"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين"آية 12 , دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه فلما انتهى إلى قوله"ثم أنشأناه خلقا آخر"عجب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان فقال:"تبارك الله أحسن الخالقين"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت عليّ , فشك عبد الله حينئذ , وقال , لئن كان محمد صادقا لقد أوحى إلي كما أوحي إليه , ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال , فارتد عن الإسلام , ولحق بالمشركين , فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتله , وقتل عبد الله بن خطل , ومقيس بن صبابة , ولو وجدوا تحت أستار الكعبة , ففر عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه وكان أخاه من الرضاعة , أرضعت أمه عثمان , فغيبه عثمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له , فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا , ثم قال: نعم , فلما انصرف عثمان , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما صَمَتُّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه , فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليّ يا رسول الله فقال: إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين) وهذا مقام لا يصلح فيه كلام ألبتة , ولو راجعت الموقف , لا تجد ألفاظا تصلح له , فقط السكوت , والسكوت وحده , هو الذي يستطيع أن يحمل تلك المعاني المتداخلة , فهناك رجل ثلم في الإسلام ثلمة , كادت تطيح بقواعده , وكان موقعه من رسول الله موقعا قريبا , فلقد كان من كتاب الوحي , ثم ارتد عن الإسلام , وهذا ترك أثرا بالغا في قلوب الناس , ثم هاهو قد جاء يطلب الأمان , وجاء معه عثمان بن عفان , والرواية لم تقل إنه جاء مسلما أو تائبا , إنما جاء طالبا الأمان ممن بُعث رحمة للعالمين , فالرجل ما زال على كفره , فهل ترى للألفاظ هنا موضعا؟ ولو أنك درت بخيالك , لتبحث عن كلام فلن تجد , فماذا يقال هنا؟ إنك لن تجد غير الصمت , والعجيب أن الصحابة توقفوا عند هذا الصمت , ولم يفهموا منه إلا التريث , والانتظار حتى يصدر أمر آخر , لأن الأمر الأول بالقتل ينقضه واقع مشاهد أمام أعينهم يرون فيه الرجل جالسا أمام رسول الله , ومعه عثمان بن عفان , وظن القوم أنه لو أراد رسول الله قتله لأومأ بعينه , وحاشاه أن تكون له خائنة الأعين , ومضى الموقف يحوطه الصمت , فرسول الله ينتظر من الصحابة تنفيذ الأمر الذي صدر سابقا , والصحابة ينتظرون إشارة لأن الرجل بين يدي رسول الله , فلما طال الانتظار , لم يكن بد من إعطاء الأمان للرجل , وإنفاذ إجارة سيدنا عثمان بن عفان , وقد كان.

وجاء في رواية أن عبد الله بن أبي السرح جاء مبايعا , ومد يده ثلاث مرات ورسول الله لا يبايعه , وينتظر من الصحابة قتله , حتى قال الخطابي: (وفيه أن التوبة عن الكفر في حياته صلى الله عليه وسلم كانت موقوفة على رضاه صلى الله عليه وسلم , وأن الذي ارتد وأذاه صلى الله عليه وسلم إذا أمن سقط قتله) والصحابة لم يجربوا موقفا مثل ذلك من قبل , ولم يعرفوا المقصود من سكوت النبي عنه , هل هو غضب , هل هو عتاب؟ هل هو رفض للمبايعة؟ أمور كثيرة , وما عليهم إلا الانتظار وهنا (أقبل صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقال أما رجل يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله قالوا ما درينا يا رسول الله ما في نفسك, فهلا أومأت إلينا بعينك؟ فقال إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة عين)

دلالة السكوت على الحزن: الحزن عامل قوي في امتناع الإنسان عن الكلام , لكنه حين يمتزج بالغضب ينطلق اللسان من محبسه , فيذهب يمينا وشمالا , إلا من رحم الله , ورُزق الحلم والأناة , فيمسك لسانه , ولقد علّم رسول الله صحابته ذلك بطريقة عملية حين سألته زوجاته النفقة , ولنستعرض هنا الحديث , ليتبين لنا قدرة النبي - صلى الله عليه وسلم , على كتمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت