الصفحة 12 من 20

حزنه , (فعن جابر قال: جاء أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فوجد الناس جلوسا على بابه لم يؤذن لأحد منهم , قال: فأذن لأبي بكر - رضي الله عنه - فدخل , ثم أقبل عمر- رضي الله عنه- فاستأذن , فأذن له , فدخل , فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه ... واجم ساكت , قال: فقال عمر رضي الله عنه:"لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: لو رأيت ابنة خارجة سألتني النفقة , فقمت إليها فوجأت عنقها , قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة إلخ) وهذا السكوت المفعم بالحزن فهم منه أبو بكر وعمر , غضب رسول الله من زوجاته , واحتياجه إلى ما يخرجه من هذا المقام , فما كان من سيدنا عمر إلا أنه قام بإضحاكه , وإنهاء هذا الموقف بالتشديد على ابنته , وكذا فعل أبو بكر رضي الله عنهما , وهذا الموقف لا يصلح معه كلام , فما الذي يمكن أن يقوله رسول الله لزوجاته ليعبر عن حزنه؟ هل يقول إنني اخترت الآخرة على الدنيا؟ هل يقول إنه لا يليق بابنة الصديق وابنة الفاروق وسائر زوجات الرسول أن ينظرن إلى متاع الدنيا كما تنظر سائر النساء؟ هل يقول إنه ليس عندي ما أوسع به عليكن , ولا حيلة لي في ذلك؟ هل يلوح في الأفق شبح الطلاق؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تدور في الذهن , ولا يحمل معالمها إلا السكوت؛ لذلك أوثر على الكلام هنا , حتى أضحكه سيدنا عمر , ولو أنك ترجمت هذا السكوت إلى عبارات , لضاق عنها السياق والمقام"

دلالة السكوت على الغضب: قد يعجب المرء حين يرى غضبًا يدل عليه بالسكوت , فالمعروف في عالم البشر أن الغضب يفرج عنه بالصوت العالي , وبالصراخ , وبالكلام الكثير , فالكلام يفتح الباب للتفريج عن النفس ,بسبب ما ألم بها , ولقد كان من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته أنه إذا غضب أحدهم فليسكت. لماذا؟ لأن الغضب يجعل الإنسان في الغالب لا يعرف ماذا يقول , وقد يخرج منه ما يندم عليه حياته كلها , لذا أمر بالسكوت عند الغضب , وكان قدوة في ذلك , وإليك هذا المثال: (عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسارى , وفيهم العباس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله , قومك , وأهلك استبقهم , لعل الله أن يتوب عليهم , وقال عمر: كذبوك , وأخرجوك , وقاتلوك , قدمهم واضرب أعناقهم , وقال عبد الله بن رواحة: انظر واديًا كثير الحطب , فأضرمه عليهم , فقال العباس - وهو يسمع: قطعت رحمك , قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا , فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه , وقال أناس يأخذ بقول عمر , وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة , فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن , ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة , مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم , قال"فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم", ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى , إذ قال:"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ,"ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام , إذ قال"رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا", ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام , إذ قال"ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم"أنتم عالة , فلا ينفلتن أحد إلا بفداء , أو حصول عنق , فقال عبد الله: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام , فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال: فما رأيتني أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم) ولا شك أن هذا افتئات على رسول الله بعد المشورة واتخاذ القرار , وكان جواب رسول الله على ذلك هو السكوت ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت