الصفحة 13 من 20

وفيه من الضيق ما فيه , فالمقام يشتعل بالمشاعر المتناقضة , فهؤلاء كما قال أبو بكر رضي الله عنه - هم الأهل والعشيرة , وهم في الوقت ذاته كفار مشركون , حاربوا الله ورسوله , ولا يمكن لبشر أن ينزع من قلبه , الميل إلى الأهل والعشيرة حتى في أثناء القتال , فلا يزال لهم في القلب مكان , ليس موازيا و ولا مقاربا للولاء لدين الله , ولكنه من باب"رب إن ابني من أهلي"وفي خضم هذه المشاعر يبرز هذا الصحابي , ليقاطع مشورة رسول الله , والتي انتهت إلى اتخاذ قرار بالفداء , ليستثني واحدا لقطع رقبته , وهو سهيل بن بيضاء , فماذا يكون الجواب إلا السكوت , وكظم الغيظ , حتى قال الصحابي (فما رأيتني أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم) , ولم لا, وقد حاول أن يتدخل في أمر لا يعنيه , وأقيمت فيه مشورة , واتُخذ القرار , ونزل القرآن ليقر هذا القرار مع أنه في نظر السماء خطأ , لكنه أُقرّ لحصول المشورة عليه.

ومن مواضع دلالة السكوت على الغضب ما رواه ابن عباس , قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يناجي عتبة بن ربيعة , وأبا جهل بن هشام , والعباس بن عبد المطلب , وكان يتصدى لهم كثيرا ويحرص عليهم أن يؤمنوا , فأقبل إليه رجل أعمى يقال له: عبد الله بن أم مكتوم , يمشي وهو يناجيهم , فجعل عبد الله يستقرىء النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن , وقال يا رسول الله: علمني مما علمك الله فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبس في وجهه , وتولى وكره كلامه , وأقبل على الآخرين , فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله بعض بصره , ثم خفق برأسه ثم أنزل الله:"عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى"فلما نزل فيه أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكلمه وقال له: ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ وإذا ذهب من عنده قال له: هل لك حاجة في شيء؟ وذلك لما أنزل الله" (أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى) ولعل القارئ يلحظ هنا أن العبوس والإعراض كليهما لا يرى بالعين للأعمى , فالإعراض هنا سكوت صاحبه حركة بالجسد تجاه رجل لا يراها , لكن الحق سبحانه وتعالى أثبتها , وأعلنها , والذي يعنيني هنا هو: مالذي أراد رسول الله أن يقوله بسكوته وإعراضه لعبد الله بن أم مكتوم؟ وتعال لنقف على القصة , ونعيش في أجوائها بإيجاز , لندرك هذه الرسائل التي أراد الحبيب إيصالها من خلال سكوته , يقول الشيخ سيد قطب - رحمه الله: (ويجيء الرجل الأعمى الفقير ابن أم مكتوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو مشغول بأمر النفر من سادة قريش , عتبة وشيبة ابني ربيعة , وأبي جهل عمرو بن هشام , وأمية بن خلف , والوليد بن المغيرة , ومعهم العباس بن عبد المطلب , والرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام ; ويرجو بإسلامهم خيرا للإسلام في عسرته وشدته التي كان فيها بمكة ; وهؤلاء النفر يقفون في طريقه بمالهم وجاههم وقوتهم ; ويصدون الناس عنه ويكيدون له كيدا شديدا حتى ليجمدوه في مكة تجميدا ظاهرا , بينما يقف الآخرون خارج مكة لا يقبلون على الدعوة التي يقف لها أقرب الناس إلى صاحبها وأشدهم عصبية له في بيئة جاهلية قبلية تجعل لموقف القبيلة كل قيمة وكل اعتبار , يجيء هذا الرجل الأعمى الفقير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشغول بأمر هؤلاء النفر , لا لنفسه ولا لمصلحته , ولكن للإسلام ولمصلحة الإسلام , فلو أسلم هؤلاء لانزاحت العقبات العنيفة والأشواك الحادة من طريق الدعوة في مكة ; ولانساح بعد ذلك الإسلام فيما حولها بعد إسلام هؤلاء الصناديد الكبار , يجيء هذا الرجل فيقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم , يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله , ويكرر هذا , وهو يعلم تشاغل الرسول صلى الله عليه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت