لأصبحنا جميعا راضين بهذه الأحوال التي ألمت بالأمة المسلمة , وهي أحوال لا ترضي أحدا , فالسكوت في زماننا دليل الرفض الصارخ , والاعتراض الذي لا يقوى الكلام على حمل مضامينه , وإن فهم الغافلون بأن السكوت رضا , فذرهم وما يفترون , فهل هذه المنكرات التي في حياة الناس حق وعدل؟!!!!! هل هذه المنكرات التي يقف من خلفها الجبابرة والظلمة , هل السكوت عنها يدل على الرضى؟!!!! أم أنه يدل على العجز , والضعف الذي ألم بالأمة حتى صارت لا تقوى على المنكر إلا بالسكوت عنه , واكتفت بتغييره بالقلب؟!!! وأين حديث"من رأى منكم بنو فليغيره بيده , فإن لم يستطع فبلسانه , فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)؟!! وهل ترى إيمانا أضعف من إيمان الناس في ذلك الزمان الذي صار السكوت دلالة الرفض , وليس دلالة الرضى؟!!!."
ومن شواهد دلالة السكوت على الرفض ما جاء عن أبي مرثد الغنوي أنه كان يحمل الأسارى بمكة , وكان بمكة بغيّ , يقال لها عناق , وكانت صديقته , قال: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقلت يا رسول الله أنكح عناق؟ قال: فسكت عني , فنزلت:"والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين"النور 3 فدعاني فقرأها علي , وقال لا تنكحها. فالسكوت هنا من المعصوم دل على الرفض , وهو هنا أبلغ من الكلام , لأن في الكلام مرورا على اسم هذه البغي , أو تعريضا بها , وهذا لا يناسب مقام النبوة , ولا أهداف الإسلام في الستر , فكان السكوت هنا أبلغ في الرفض من التصريح.
وفي فتح الباري في قصة المرأة التي وهبت نفسها للرسول صلى الله عليه وسلم , ورد أنه صلى الله عليه وسلم طأطأ رأسه , وهو بمعنى قوله: فصمت , ثم عرضت نفسها عليه فصمت , فلقد رأيتها قائمة مليا تعرض نفسها عليه , وهو صامت .. فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست ... فكأنه صمت أولا لتفهم أنه لم يردها .... وفهمت من السكوت عدم الرغبة لكنها لما لم تيأس من الرد جلست تنتظر الفرج , وسكوته صلى الله عليه وسلم إما حياء من مواجهتها بالرد , فلقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحياء , كما تقدم في صفته أنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها , وإما انتظارا للوحي وإما تفكرا في جواب يناسب المقام) فالصمت هنا أبلغ من الكلام لعدة أسباب: أولها: أنه لم يعهد من رسول الله أن سبق له الزواج من هذا الطريق , بأن تعرض امرأة نفسها عليه ثم يقبل، فهذا أمر جديد , وليس عند رسول الله فيه توجيه من السماء , وهذا يستدعي الانتظار والتريث قبل الرد بالموافقة أو الرفض. ثانيا: أن رسول الله لم يتزوج إلا لغاية دينية , ولا غاية هنا يراها. ثالثا: أن التصريح بالرفض لا يتوافق مع حيائه صلى الله عليه وسلم. رابعا: أن التصريح بالرفض لا يتوافق مع شعور المرأة خاصة أمام جمع من الصحابة. خامسا: أن التصريح بالرفض قد يعيب المرأة فلا يتقدم أحد لخطبتها , لكن الصمت حفظ لها مكانتها حتى قام أحد الصحابة خاطبا لها وقد كان. ويرى البعض أن سكوته دليل القبول , ليس قبولا للزواج منها , (وإنما قبولا لمبدأ الهبة وإلا لما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يقر على الباطل إذا أنه يحتمل أن يكون سكوته منتظرا بيانا , فنزلت الآية بالتحليل والتخيير , فاختار تركها وزوجها من غيره. ويحتمل أن يكون سكت ناظرا في ذلك حتى قام الرجل لها طالبا)
ومن شواهده أيضا ما رواه الحاكم (عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كلمنني صواحبي أن أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس فيهدون له حيث كان , فإن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة رضي الله عنها