فبدأ الرجل يتحدث إلى هؤلاء الشعراء المحدثين في عصره , ويحمل لهم همّه وفكره , ودينه , وعقله , فهؤلاء الشعراء سيكونون بعد زمن يسير هم اللسان الذي يعلِّم , وهم القدوة التي تحتذى , وهم حلقة الوصل بين السابقين واللاحقين.
والمعروف الذي لاشك فيه أن كل جيل يتعلم اللغة من اللسان الذي سمعه , فإذا تسرب الضعف إلى اللسان المسموع ضعفت اللغة , وأعني باللسان المسموع هنا شعراء كل جيل , وعلماءه ,وفصحاءه , والحارسين لضوابطه , والذين أودعوا قلوبهم وألسنتهم سر العربية وجمالها.
من هنا كان وكد ابن طباطبا أن يقوِّم هذا اللسان, وأن يرشده إلى المقياس الذي ينبغي أن يقيس نفسه عليه , وهو اللسان الموروث من شعر الجاهلية وصدرالإسلام.
ولذلك استشعر ابن طباطبا هذا الواجب الذي يحمله في عنقه , كما استشعر حق هؤلاء الشعراء في نقل الأمانة سليمة صافية , وتقديم كل ما يمكن أن يحفظ عليهم لغتهم , وشعرهم , حتى يتهيؤا لحمل هذه المسؤولية.
إن ابن طباطبا أدرك في عصره أن هذا الجيل من الشعراء لا بد ان يقف على تراث الأمة من خلال الشعر ليعرف تاريخه , وحضارته , وأخلاقه , وأيامه , تمامًا كما يعرف متى يحسُن الكلام , ومتى يقبح؟ وما دلائل الحسن؟ وما أمارات القبح؟.
ولقد كان وهو ينقل هذا التراث إلى شعراء جيله حريصًا على أن يتفوقوا , ويبزوا من سبقوهم , كما أتاح لهم أن يأخذوا منه , ويطبعوه بطابعهم , وفي ذلك إمتاع لا ينكر.
لقد كان يفعل ذلك وهو يدرك الفتن التي كانت تموج في زمانه , تريد من الجيل أن ينسى شعر آبائه وأجداده , لذلك كان يلقي الحكمة , ويضع القاعدة البلاغية , ثم يُتبعها بسيل جرار من الشواهد , لأنه لا يريد للعين أن تنظر ثم تمضي , بل يريد للقاعدة أن تثبت حين تروى بماء منهمر من الشعر , لترسخ , وليتدرب عليها اللسان , ويسلس لها , ويأنس بها وإليها , فكثرة الأمثلة في الكتاب إنما هو لطبع اللسان , وتقويم الجنان على الصورة المثلى للشعر القديم.