الصفحة 8 من 103

الهدف والمؤثرات

حين تقرأ كتاب عيار الشعر في عصرنا الحاضر تخرج منه بمفهوم, يختلف عن قراءته وسط أقرانه من الكتب , والقراءتان قد تجعلك تحكم له أو عليه , لكنك حين تقرأ الكتاب وأنت تستحضر عصره , الذي كتب فيه , والفتن التي شاعت فيه , وما أحاط بالأمة المسلمة ,ولغتها , وبالشعر خاصة , لا شك أنك ستجد الكتاب شيئا آخر.

وإذا كان هذا حال القارئ , فإنني على يقين من أن مؤلف الكتاب - رحمه الله - كان على وعي كامل بما يحيط به , وبالأمة ولغتها , وأن القضية عنده ليست قضية شعر وصفته وأدواته ... إلخ بل هي قضية دين وعقيدة.

وما كان لابن طباطبا العلوي الهاشمي القرشي أن يكون فكره في الشعر مجردا عن إسلامه وعروبته , بل إن كل فقرة , وكل فكرة في كتابه , وكل جملة إنما هي مرفودة من هذا الدين وتلك العروبة , وثمرة من ثمارهما.

لقد جاء ابن طباطبا في وقت ساءت فيه الأحوال على كافة الأصعدة السياسية منها والاجتماعية , حيث ظهرت فكرة الشعوبية التي فضلت الجنس الفارسي على الجنس العربي , بل حاولت القضاء على كل فضيلة تنسب إلى العرب , وبخاصة أدبهم وفنهم وشعرهم , فضلا عن عودة عقائد المجوس , وبدأت الريبة تدخل القلوب من دين الإسلام , حتى قال الجاحظ [1] (عامة من ارتاب من الإسلام إنما كان أول ذلك رأي الشعوبية) [2]

وبدأ بغض اللغة العربية يزداد ,وانتشرت العامية , وانتشر شعر النفاق , وظهرت فتنة القرامطة , وفتنة ابن الحلاج .... إلخ [3]

في هذا الجو , وتلك البيئة جاء"عيار الشعر", والذي يقول صاحبه: أنه ألفه لأبي القاسم سعد ابن عبد الرحمن , حيث سأله عن صفة الشعر ,والسبب الذي يتوصل به إلى نظمه , وتقريب ذلك وتيسيره عليه. [4]

(1) = الجاحظ163 - 255 هـ / 780 - 869 معمرو بن بحر بن محبوب الكناني (ولاءً) الليثي أبو عثمان. كبير أئمة الأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، مولده ووفاته بالبصرة فلج في آخر عمره. وكان مشوه الخلقة، مات والكتاب على صدره، قتلته مجلدات وقعت عليه.

(2) -- الحيوان 2/ 158

(3) - انظر تاريخ الإسلام / الذهبي 5/ 297 وتاريخ أصبهان لأبي نعيم الأصبهاني / 221

(4) -- انظر تعليق زهير ظاظا على الكتاب في المكتبة الشاملة الصفحة الرئيسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت