وقد آتت هذه الجهود ثمارها فرأينا في هذا الزمان من العمالقة الكثير , الذين حفظوا اللسان العربي , وصانوه بشعرهم.
حتى جاءت أزمنة وضعت فيه الأمانة عن الأعناق , وتُرك الشعراء دون إرشاد , فبدأ الشعر في الأفول , وأمسى اللسان العربي لا يكاد يبين, فالتحديات كثيرة , والمتربصون باللغة لا حصر لهم , وهم يعلمون علم اليقين أن ضرب اللسان العربي وإضعافه هو إضعاف للدين في القلوب , وحل للرابطة , التي تربط هذه الأمة عروة بعد عروة.
ولذلك كان الهدف واضحا أمام ابن طباطبا , والرؤيا لا غبار عليها , والمهمة محددة , وهي: حفظ السليقة اللغوية لأمة العرب , ورسم طرائق الإبانة عن مكنون الصدور, ووضع القواعد والقوانين التي انطوت عليها هذه السليقة , كل ذلك من خلال النموذج الأعلى , وهو اللسان العربي المبين.
ولو سألت: وما وجه ذلك عند الرجل؟
لقلت: وجه ذلك - كما أرى - هو الإبقاء على الفصاحة والبلاغة التي بلغت المنتهى , والمتمثلة في الشعر الجاهلي , ليتوصل من خلالها إلى المعجزة القرآنية , ولذلك يقول الإمام عبد القاهر - رحمه الله: (نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن فظهرت وبانت وبهرت هي أن كان على حد من الفصاحة يقصر عنه قوى البشر , ومنتهيا إلى غاية لا يطمع إليها إلا بالفكر , وكان محالا أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر - الذي هو ديوان العرب , وعنوان الأدب , والذي لا يُشك أنه كان ميدان القوم إذا تجازوا في الفصاحة والبيان , وتنازعوا فيها قصب الرهان , ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل , وزاد بعض الشعراء على بعض) [1]
ويؤكد عبد القاهر أنه من المحال أن يفهم الإعجاز بمعزل عن الشعر , وأن من يدرس الإعجاز بمعزل عن الشعر الجاهلي كأنه يُدِر الإعجاز يمعزل عن الإعجاز نفسه , والإعجاز هو الحجة التي عليها آمن الناس , وهي باقية ما بقي التكليف) [2]
(1) -- دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني - مكتبة الخانجي القاهرة ت / أبي فهر ص 10
(2) -- مراجعات في الدرس البلاغي لأبي موسى / 186 ط وهبة