الصفحة 11 من 103

هذا هو الهدف الذي يقف في خلفية كتاب عيار الشعر , وإن لم يذكر صراحة , لكنك تلحظه خلف كل فقرة من فقرات الكتاب , وهو يتحدث عن براعة هذا الشعر, ووجوب حفظه , والإكثار منه , كما تراه في كثرة شواهده , وتحليله , وتعليقه , وحرصه على الاقتداء بالأحسن منه.

ذلك هو الهدف - كما أرى - وتلك كانت المؤثرات التي دفعته.

لكن المنهج الذي سلكه ابن طباطبا للوصول إلى غايته له معالم بارزة تستطيع أن تضع عليها يدك إذا تتبعت كتابه برفق وأناة.

المعلم الأول: اتباع سنة العرب في شعرهم:

لقد ذكر الجاحظ أن (كل أمة تعتمد في استبقاء مآثرها , وتحصين مناقبها على درب من الدروب , وشكل من الأشكال , وكانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليدها بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون , والكلام المقفى , وكان ذلك هو ديوانها) [1]

وقد بلغ جيل المبعث الغاية القصوى في البيان(ولا يجوز أن يدعى للمتأخرين - من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي"صلى الله عليه وسلم"الذي نزل فيهم الوحي , وكان فيهم التحدي - أنهم زادوا على أولئك الأولين , أو كملوا في علم البلاغة , أو تعاطيها لما لم يكملوا له , كيف ونحن نراهم , يُخملون عنهم أنفسهم ويتبرؤون من دعوى المداناة منهم , قضلا عن الزيادة عليهم؟

هذا خالد بن صفوان [2] يقول: كيف نجاريهم؟ وإنما نحاكيهم , أم كيف نسابقهم , وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعرافهم) [3]

فابن طباطبا أراد من الشعراء أن يلزموا هذا الأصل , وأن يسيروا خلف هذا الجيل الذي نزل فيهم القرآن الكريم , وأن يتبعوهم في معانيهم , وألفاظهم , وتشبيهاتهم , ونسجهم للشعر , فهم أهل البلاغة بلا منازع , وأصحاب البيان بلا مقارع , وإن لم

(1) -- الحيوان للجاحظ ت / هارون 1/ 23

(2) = خالد بن صفوان بن عبد الله ابن عمرو بن الأهتم أبو صفوان التميمي المنقري، أحد فصحاء العرب وخطبائهم، كان رواية للأخبار خطيبًا مفوهًا بليغًا، وكان يجالس هشام بن عبد الملك انظر معجم الأدباء لياقوت الحموي 1/ 453

(3) -- دلائل الإعجاز / 575 وانظر مراجعات في أصول الدرس البلاغي لمحمد محمد أبي موسى / 189بتصرف مكتبة وهبة القاهرة ط / الأولى 1426هـ - 2005 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت