فهذا -كما ترى - تورك , وحمل للكلام على غير وجه الشعر , والشعر أصفى وأعلى من هذا , فهو الذي يهز الشعور , ويحرك النفوس , حتى يقع منها أجمل موقع , وعلى هذا بات صدق الشعور ضرورة في تعريف الشعر.
ولكن يظل السؤال قائما: أهذا هو الشعر؟
وحين ترجع إلى محل البحث , وهو عيار الشعر , تجده يضع للشعر سمات تحدد ملامحه , وتوضح حقيقته , وترسم حدوده , ومن أهم هذه:
(أنه بائن عن المنثور) أي: أن له طريقة خاصة في التكوين , والتأليف تغاير طريقة النثر , وله نسج بائن عن نسج النثر , وله نظم خاص , وتلك خصائص تبعد عن مجرد الوزن والقافية , ولذلك وضعها في تعريفه للشعر.
كما أن في قوله: (النثر الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم) لفتة أخرى , توضح أن للشعر حالات خاصة , ومواقف خاصة , فليس هو مما درج بين الناس , وليس هو مما يقوله كل أحد , إنما هو عملية إبداعية , تحتاج إلى طبع وموهبة , ذلك هو مفهوم الشعر في فكر ابن طباطبا , ولا تظن أنني حين أفرد هذه الأوراق لتحديد مفهوم الشعر في فكر الرجل أنني أحرث في محروث , فمازال جيلنا يعاني من أقوام أدخلوا على الشعر ما ليس منه , وقذفوا به في وجوهنا , وصرخوا به في كل واد , حتى بات الناس يرون ما يرونه, ويصدقون أن ما جاؤوا به شعر , ولا أظن أن هذا وليد زماننا , بل هو موجود منذ عرف الناس الحق والباطل من القول , بدليل أنك كلما تصفحت كتابا لعلمائنا القدامى وجدتهم يعرّفون الشعر , ويتحدثون عن ماهيته, وطبيعته , وحدوده , وكأنهم يردون على هذا الفكر الذي يرى غير الشعر شعرا , ويجادلون فيما لا ينبغي الجدال فيه , ورحم الله أبا الطيب حيث قال:
وليس يصح في الأفهام شيء .... إذا احتاج النهار إلى دليل [1]
ولقد ظل الأمر حتى وصل إلى فارس العربية في هذا العصر , وشيخ شيوخها , أبي فهر محمود محمد شاكر - رحمه الله - حيث وقف يعرّف الشعر فقال:
(1) = شرح ديوان المتنبي للواحدي 1/ 249