السهلة , والديباجة الكريمة , والطبع المتمكن , والسبك الجيد , وكل كلام له ماء ورونق) [1]
وهذا تعريف يشير إلى طبيعة الشعر, وما يعتمد عليه من ألفاظ ومعان وتصوير , ويراه في موقع آخر: (ضربا من النسج , وجنسا من التصوير) [2]
ويضع قدامة بن جعفر عنوانا في كتاب نقد الشعر , فيقول (إن أول ما يحتاج إليه في العبارة عن هذا الفن معرفة حد الشعر , الحائز له عما ليس بشعر , وليس يوجد في العبارة عن ذلك أبلغ , ولا أوجز - مع تمام الدلالة - من أن يقال فيه: إنه قول موزون مقفى , يدل على معنى) [3]
وشاع هذا التعريف فتناقله النقاد , والعلماء ليحددوا به ماهية الشعر , وحده الذي يفصله عن غيره.
ولا بد هنا من أن يطرح سؤال: هل كان هناك غبار حول مفهوم الشعر , حتى يعرف؟
وهل حقيقة الشعر الذي يتداولونه صباح مساء تخفى على أهله , أو حتى على العامة؟
الذي يبدو أن هناك غيم وضباب حول ماهية الشعر وحقيقته , هذا الغيم جعل الجاحظ ينكر على أبي عمر الشيباني [4] استجادته لأبيات قيلت في المسجد يوم الجمعة , وفيه يقول القائل:
لا تحسبن الموت موت البلى ... إنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت , ولكن ذا ... أفظع من ذاك لذل السؤال
أنكر الجاحظ أن يكون ذلك من الشعر , وأن يكون قائلهما شاعرا, ويقول: (رأيت أبا عمرو الشيباني , وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين , ونحن في المسجد يوم الجمعة أن كلف رجلا حتى أحضر له دواة , وقرطاسا , حتى كتبها له , وأنا أزعم
(1) = البيان والتبيين للجاحظ 1/ 57
(2) = الحيوان 1/ 219
(3) = نقد الشعر لقدامة بن جعفر / 1
(4) = أبو عمرو الشيبانى الكوفى قال الأزهرى: كان يعرف بأبى عمرو الأحوص، ومرار بكسر الميم ورائين مهملتين مخففتين، وهو مولى وليس من بنى شيبان، وإنما كان مؤدبا لأولاد ناس من بنى شيبان، فنسب إليهم معجم الأدباء 2/ 240