إشارات بلاغية في عيار الشعر
إذا كان النظم , والنسج , والتشبيه , والمبالغة , وحسن الابتداء والتخلص أمورا قد أخذت شوطا من ابن طباطبا , فأفرد لبعضها عنوانا , وأكثر من ذكر الأخرى , فإن هناك مسائل من البلاغة أشار إليها سريعا , ولم يقف عندها طويلا , ومن هذه الأبواب التي عرج عليها سريعا: الاستعارة.
والاستعارة التي ذكرها ليست (نقل كلمة , أو عبارة من شيء قد جعلت له , إلى شيء لم تجعل له) [1] وإنما هي تناول الشاعر للمعاني التي قد سبق إليها , وإبرازها في كسوة أخرى , لذلك كان موضعها في كتابه: باب السرقات , وليس باب المجاز , كما أنه جعل الحديث عن تلك الاستعارة مدخلا للحديث عن نقل المعاني من جنس إلى جنس , ومن عالم إلى عالم , يقول: إن الشاعر (إذا وجد معنى لطيفا في تشبيب أو غزل استعمله في المديح , وإن وجده في المديح استعمله في الهجاء , وإن وجده في وصف ناقة أو فرس استعمله في وصف إنسان , وإن وجده في وصف إنسان استعمله في وصف بهيمة) [2]
كل ذلك وهو ينظر إلى الشاعر على أنه صائغ , يقوم على المعاني فيشكلها تشكيلا جديدا , أفضل مما كانت عليه , حتى تختفي معالمها القديمة , ولا يفهم منها إلا المعنى الجديد , يقول: (ذلك كالصائغ الذي يذيب الذهب , والفضة المصوغين فيعيد صياغتهما بأحسن مما كانا عليه , وكالصباغ الذي يصبغ الثوب على ما رأى من الأصباغ الحسنة , فإذا أبرز الصائغ ما صاغه في غير الهيئة التي عهد عليها , وأظهر الصباغ ما صبغه على غير اللون الذي عهد قبل التبس الأمر في المصوغ وفي المصبوغ على رائيهما , فكذلك المعاني وأخذها , واستعمالها في الأشعار على اختلاف فنون القول فيها) [3]
(1) = الرسالة الموضحة في ذكر سرقات المتنبي وساقط شعره / 69
(2) = عيار الشعر / 80
(3) عيار الشعر / 81