الصفحة 58 من 103

أما حسن التخلص فقد جعله ابن طباطبا فضيلة للمحدثين , دون من تقدمهم , لأن مذهب الأوائل لم يكن معنيا بالتناسب بين الأغراض داخل القصيدة , حيث يراها جوهر المشاكلة والالتئام بين الأجزاء , وحسن الخروج من باب إلى غيره , واستئناف بعد انقضاء , فإن وجدت نفسك وقعت في الثاني دون أن تشعر , وإن وجدت نفسك أُخذت برفق دون أن تنتبه كان الحسن والإبداع.

أما إن فاجأك الشاعر وصدمك ونزعك , فلا حسن ولا إبداع , ولما كان هذا من الصعوبة بمكان اهتم بحسن التخلص أكثر من حسن الابتداء , وأفرد له بابا وعنوانا , نبه على أن المحدثين أعلى قدما فيه , وألطف وأرفق من القدماء , كما أنه أكثر فيه من الشواهد , وعلق على بعضها لأنه من مهمات البلاغة , حيث يبدأ الشاعر (في معنى من المعاني , فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره, وجعل الأول سببا إليه , فيكون بعضه آخذا برقاب بعض من غير أن يقطع كلامه, ويستأنف كلاما آخر , بل يكون جميع كلامة كأنما أفرغ إفراغا) [1]

والعرب الأوائل لم يفعلوا ذلك في شعرهم - كما يرى - بل كان لهم مذهب واحد(وهو قولهم عند وصف الفيافي , وقطعها بسير النوق , وحكاية ما عنوا في أسفارهم: إنا تجشمنا ذلك إلى فلان , يعنون الممدوح .... أو يقطعون الكلام عما قبله , ثم يبدؤون بالمدح ... أو يتوصل إلى المدح بعد شكوى الزمان , ووصف محنه وخطوبه , فيستجار منه بالممدوح .... أو يذكر السحابة والبحر والأسد والشمس ... إلخ

ثم يقول: كل ذلك ليس بأجود ولا أشجع , ولا أحسم من فلان) [2]

هذا صنيع الأوائل في انتقالهم , وتخلصهم من غرض ما إلى المدح , لكن المحدثين سلكوا طريقا آخر وتلطفوا فيه.

ثم ذكر نماذج كثيرة دون تعليق , مما يفهم منه أن وضوح الانتقال فيها ظاهر لكل ذي عينين مما جعل ابن سنان يوضح الأمر بعض الشيء , ويقول: (ومن الصحة: صحة النسق والنظم , وهو أن يستمر في المعنى الواحد , وإذا أراد أن يستأنف معنى آخر أحسن التخلص إليه , حتى يكون متعلقا بالأول , وغير منقطع

(1) = المثل السائر لابن الأثير 1/ 245

(2) = عيار الشعر / 116 بتصرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت