حسن الابتداء والتخلص في عيار الشعر
حسن الابتداء (أن يتأنق الشاعر في أول الكلام , لأنه أول ما يقرع السمع) [1]
أما حسن التخلص فهو (أن ينتقل مما ابتدئ به الكلام إلى المقصود على وجه سهل , يختلسه اختلاسا , بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع عليه الثاني , لشدة الالتئام بينهما) [2]
ولقد ذكر ابن طباطبا في علة حسن الشعر حسن الابتداء , وجعل ذكر الشيء الذي يعلمه السامع قبل ذكر المراد كالبشرى له , يقول: (ومن أحسن المعاني والحكايات في الشعر , وأشدها استفزازا لمن يسمعها الابتداء بذكر ما يعلم السامع له , إلى أي معنى يساق القول فيه , قبل استتمامه , وقبل توسط العبارة عنه .... والتعريض الخفي الذي يكون بخفائه أبلغ في معناه من التصريح الظاهر الذي لا ستر دونه , فموقع هذين عند الفهم كموقع البشرى عند صاحبها, لثقة الفهم بحلاوة ما يرد عليه من معناهما) [3]
والتعجيل بالشيء غرض من أغراض بناء الكلام ,لأن النفس تحب التعجيل بما تعرف , ليكون ممهدا لها إلى مالا تعرف , لذلك حرص أهل الإبداع , وبخاصة الشعراء على تقديم ما يستبشر به السامع , أو ما يعرفه , فحسن الابتداء دليل البيان , فلا يبدأ بما يتطير منه , ولا بما لا يناسب المقام , ومن هنا حرص ابن طاطبا على تنبيه الشعراء المحدثين إلى حسن الابتداء , والتأنق في أول الكلام ليُقبل السامع على الشعر , ثم تحصل الملاءمة بين أوله وآخره , وهذا يعد عنده من عيار الشعر , وسببا من أسباب حسنه.
ومن شواهده التي استشهد بها على ذلك قول الشاعر:
لعمرك ما الناس أثنوا عليك ... ولا مدحوك ولا عظموا
(1) = الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 1/ 107
(2) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 2/ 391
(3) = عيار الشعر /23