الصفحة 54 من 103

إنك لو وضعت قول الناقة (أهذا دينه أبدا وديني) والذي عده ابن طباطبا من المجاز المباعد للحقيقة , ومن الشعر الغلق الذي لا يفهم أمام قول الآخر:

(وأخفت أهل الشرك ... ) لتبين لك مدى المفارقة بينهما.

إن الذي لا شك فيه أن المجاز قرين المبالغة , وهي موطن الحسن والجمال فيه , وإن لم تكن مبالغة فما قيمة المجاز؟

ولو عدت إلى بيت عنترة , والذي استحسنه ابن طباطبا لوجدت: أن الحسن ليس في جعله الفرس يُحمحم , بدلا من أن يقول ويتكلم , ولكن في أمور أخرى حيث جعله شجاعا يخوض غمار الحرب وأهوالها , ويطعن كما يطعن الفارس , ويكر كما يكر , ويجهد كما يجهد , ويحتاج على راحة كما يحتاج ... , وهذا كله هو الذي جعله ينطق , ويحاور ويعارض , ويشكو , وإن كان كل ذلك حمحمةً وليس كلامًا , ذلك معدن الحسن.

ولقد ذهب الحاتمي مذهب ابن طباطبا, وجعل إخراج الأشياء عن حقيقتها من الغلو , وهو معيب , وفرّق بينه وبين المبالغة في الوصف من غير عدول عن الحقيقة , وهذا هو الحسن الجيد , يقول معترضا على المتنبي حين سأل: هل بين الغلو والمبالغة فرق؟

فقال: (كل الفرق , قال عنترة يصف فرسه:

فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليّ بعبرة وتحمحم

فجعل اشتكاء الفرس إليه , إذ كان من الحيوان الذي ينطق بحمحمته وعبرته , دون النطق والعبارة , فلم يخرجه عما هو له , فهذه مبالغة في الوصف من غير عدول عن الحقيقة , ونحوه قول ابن هرمة واصفا كلبا [1] :

يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم

فقرن بهذه المبالغة (يكاد) فأخرجه عن الغلو , الذي يبتعد عن الحقيقة) [2]

والذي ينبغي أن نكون على ذكر منه أن عَالَم الشعر مخالف لعالم الناس وحقائقهم , وأن الذي دفع ابن طباطبا إلى هذا المزلق , هو أنه ناقش قضية المبالغة والمجاز

(1) = هو أبو إسحاق إبراهيم بن هرمة وهو من الخلج من قيس عيلان وابن هرمة آخر الشعراء الذين يحتج بقولهم قال الأصمعي ساقة الشعراء ابن ميادة وابن هرمة ورؤبة وكان ابن هرمة من مخضرمي الدولتين انظر ديوان الحماسة لأبي تمام 2/ 73

(2) = سمط اللآلي شرح أمالي أبي على القالي 1/ 57

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت