فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم
فهذا عنده هو الذي يقارب الحقيقة , لأنه ذكر صوت الفرس , وهو الحمحمة , أو يشير في شعره إلى أنه لا يتكلم , ولا يقول كما يقول الإنسان مثل قول بشار:
غدت عانة تشكو بأبصارها الصدى ... إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه [1]
أي أن العطش قد تبين في أحداقها فغارت , (وهذه مبالغة في الوصف من غير عدول عن الحقيقة) [2]
فابن طباطبا يرى أن التنصيص على أنها لا تخاطبه هو الذي أخذ الكلام من البعد والإغلاق إلى الحسن والقبول , وهو الذي يفرق بين الغلو والمبالغة.
وهذا يحتاج إلى نظر , لأن النطق والإخبار والتكلم إنما هو وصف لدلالة الحال , كما تقول: (نطقت الحال بكذا , وأخبرتني أسارير وجهه بما في ضميره , وكلمتني عيناه بما يحوي قلبه , فتجد الحال وصفا هو شبيه بالنطق من الإنسان , وذلك أن الحال تدل على الأمر , ويكون فيها أمارات يعرف بها الشيء , كما أن النطق كذلك , وكذلك العين فيها وصف شبيه بالكلام , وهو دلالتها بالعلامات التي تظهر فيها , وخواص أوصاف يُحدسُ بها على ما في القلوب من الإنكار والقبول) [3]
وأهل الحكمة من كل أمة يجعلون كل دليل قولا , قال زهير [4] :
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... إلخ
فكلامها أن يبين لها رسم , ويظهر أثر, فلما عدم ذلك منها جعلها غير متكلمة, وقال آخر:
يا لاحد الميت في قبره ... خاطبك القبر ولم تفهم) [5]
وهذا يضع سؤالا مهما وهو: هل المجاز المقبول هو الذي يقارب الحقيقة؟
وهل إذا ابتعد المجاز عنها صار غلقا مفرطا لا يفهم؟
وهل هذا الفكر يعد من الشذوذ؟ [6]
(1) = العانة: القطيع من الحمير , والجأب: ذكرها انظر في ذلك الأغاني 1/ 305
(2) = الموضحة في ذكر سرقات المتنبي وساقط شعره للحاتمي 1/ 28
(3) = أسرار البلاغة / 27
(4) = زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني، من مُضَر. حكيم الشعراء في الجاهلية وفي أئمة الأدب من يفضّله على شعراء العرب كافة. قال ابن الأعرابي: كان لزهير من الشعر ما لم يكن لغيره: كان أبوه شاعرًا، وخاله شاعرًا، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة. ولد في بلاد مُزَينة بنواحي المدينة وكان يقيم في الحاجر (من ديار نجد) ، واستمر بنوه فيه بعد الإسلام.
(5) -= سمط اللالي شرح أمالي أبي علي القالي 1/ 57 , وانظر الكامل للمبرد 1/ 132
(6) = هذا ما ذهب إليه إحسان عباس في تاريخ النقد الأدبي عندالعرب / 145