وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق) [1]
وبعد أن ذكر طائفة طويلة من أشعار القدماء والمحدثين علق قائلا: (فهذه الأشعار وما شاكلها من أشعار القدماء والمحدثين أصحاب البدائع , والمعاني اللطيفة تجب روايتها , والتكثر لحفظها.) [2] مما يعني أنه جعل المبالغة, والإغراق في المعاني من البلاغة اللطيفة , والحسن الذي يجب الإكثار منه.
وأتبع هذه الطائفة من الأشعار بطائفة أخرى , هي على العكس منها , أي أنها تخلو من المبالغة والإغراق , وقال: إنها أشعار غثة متكلفة النسج مضادة للأشعار التي قدمناها.
لكن الغريب أنه بعد هذا جعل من المجازات البديعية , والاستعارات الجميلة أمورا ينبغي اجتنابها , بحجة أنها من الإشارات البعيدة , أو الغلقة , يقول:
(وينبغي للشاعر أن يجتنب الإشارات البعيدة والحكايات الغلقة , والإيماء المشكل , ويتعمد ما خالف ذلك , ويستعمل من المجاز ما يقارب الحقيقة , ولا يبعد عنها , ومن الاستعارات ما يليق بالمعاني التي تأتي بها , فمن الحكايات الغلقة , والإشارات البعيدة قول المثقب العبدي في وصف ناقته:
تقول وقد درأت لها وضيني .... أهذا دينه أبدا وديني؟
أكل الدهر حل وارتحال؟ ... أما يبقي علي ولا يقيني؟) [3]
فهذه الحكاية كلها عن ناقته من المجاز المباعد للحقيقة , وإنما أراد الشاعر أن الناقة لو تكلمت لأعربت عن شكواها بمثل هذا القول) [4]
إذن المجاز هنا - عند ابن طباطبا - في جعله الناقة تقول!!! والناقة لا تقول , لأن القول صفة للإنسان , وكان عليه أن يجعلها ترزم , ويسلك في ذلك سبيل عنترة [5] , حيث قال:
(1) = عيار الشعر / 53
(2) = عيار الشعر / 59
(3) = يريد: لو قدرت ناقتي لقالت ذلك , ودرأت: دفعت , وأزالت الشيء عن موضعة , والوضيني: حزام الرحل) انظر شرح أدب الكاتب للجواليقي / 126, وعيار الشعر / 125
(4) = عيار الشعر / 125
(5) = عَنتَرَة بن شَدّاد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي 22 ق. هـ / ? - 601 م. أشهر فرسان العرب في الجاهلية ومن شعراء الطبقة الأولى. من أهل نجد. أمه حبشية اسمها زبيبة، سرى إليه السواد منها. وكان من أحسن العرب شيمة ومن أعزهم نفسًا، يوصف بالحلم على شدة بطشه، وفي شعره رقة وعذوبة ..
كان مغرمًا بابنة عمه عبلة فقل أن تخلو له قصيدة من ذكرها. اجتمع في شبابه بامرئ القيس الشاعر، وشهد حرب داحس والغبراء، وعاش طويلًا، وقتله الأسد الرهيص أو جبار بن عمرو الطائي