فالقضية ليست قضية متشابهات حسية - في صورة , أو لون , أو حركة - كما قال ابن طباطبا -رحمه الله- بل الحسن في دقة الفكر, ولطف النظر.
والفنان الأصيل هو الذي يتجاوز مايحضر العين إلى ما يستحضر العقل , لأن التشبيه قياس (والقياس يجري فيما تعيه القلوب , وتدركه العقول , وتستفتى فيه الأفهام , لا الأسماع والآذان.) [1]
وكأن الإمام يرد كلام ابن طباطبا الذي يقول: بأن الحُسن في كثرة الصلات, ويؤكد على أن الأمور إذا ظهرت للكافة فلا فضل ولا فضيلة , ولا حسن ولا إحسان , لأن التشبيه بين المحسوسات (بيًن لا يجري فيه التأول , ولا يفتقر إليه في تحصيله , وأىً تأًول يجري فيه مشابهة الخد للورد في الحمرة , وأنت تراها هاهنا كما تراها هناك.) [2]
أما قضية العكس , ووضع المشبه به مكان المشبه دون انتقاص فالإمام يراها من باب الإدعاء والتخييل, والإيهام , مثل قوله:
وبدا الصباح كأن غرته ... ... وجه الخليفة حين يمتدح
(فجعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأشهر وأتم وأكمل في النور والضياء من الصباح , فاستقام له بحكم هذه النية أن يجعل الصباح فرعا , ووجه الخليفة أصلا) [3]
المحور الثالث: الصدق في التشبيه:
يربط ابن طباطبا بين الصدق ونوع الأداة المستخدمة في التشبيه , فما كان صادقا كانت أداته"كأن أو الكاف"وما قارب الصدق كانت أداته (تراه, أو تخاله , أويكاد) مما يعني أن الصدق في التشبيه عنده هو مقاربة الحقيقة , لأن (كأن والكاف) تعني قوة الصلة بين المشبه والمشبه به, وشيوع ذلك عند الناس ,حتى لا يكاد ينكر , أما (تراه , وتخاله , ويكاد) فيعني ضعف الصلة , وقلة الروابط بين الطرفين.
لكن اللافت هنا أنه ربط بين صدق التشبيه , وأداة التشبيه , وكأن الأداة تحمل من دلائل القوة الكثير , لذلك قوي الربط بها عن التشبيه , وحين يعبر الشاعر بـ (الكاف
(1) = أسرار البلاغة /6
(2) = أسرار البلاغة 33
(3) = أسرار البلاغة / 78