يقول: (إذا اتفق في الشيء المشبه بالشيء المشبه به معنيان أو ثلاثة معان من هذه الأوصاف قوي الشبه وتأكد الصدق فيه.) [1]
ومع أنه لم يختلف احد من البلاغيين في وجود اتفاق ما بين المشبه والمشبه به, إلا أن تحديد المساحة المتفق فيها هي معيار الحسن والقوة عند ابن طباطبا , فكلما اتسعت مساحة الاتفاق - وكثرت الخيوط الواصلة والصفات المشتركة حتى يكاد الطرف الأول يطابق الطرف الثاني - حسن التشبيه وعلت رتبته.
ولقد جهدت كي أصل إلى علة ذلك عنده , فلم أجد إلا رغبته في محاكاة الواقع العربي والبيئة العربية التي تمثل قمة الوضوح , وولع العرب بالظهور والجلاء والكشف , وهذا يتلائم مع الواقع الذي يعيشونه فلم يكن عندهم إلا الصحراء والسماء والدواب .... الخ
فالواقع الحسي يغلب على كل شيء , ومن ثم لم يكن تصوره للجمال إلا حسّيا , أو لعله يقصد أن الشاعر كلما كثر إدراكه , وفطن إلى مواطن الاشتراك علا كعبه في التشبيه.
ويعلق قدامة بن جعفر على ذلك فيقول: (من الأمور المعلومة , أن الشيء لا يشبه بنفسه , ولا بغيره من كل الجوانب , إذ كان الشيئان إذا تشابها من جميع الوجوه , ولم يقع بينهما تغاير ألبته اتحدا , فصار الاثنين واحدا , فبقي أن يكون التشبيه إنما يقع بين شيئين بينهما اشتراك في صفات تعمهما , ويوصفان بها , وإذا كان الأمر كذلك فأحسن التشبيه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها , حتى يدني بهما إلى حالة الاتحاد.) [2]
وهذا الفكر الذي يرى الحسن والقوة مرتبطا بالصورة الحسية , وكثرة الصفات المشتركة أتى عليه الإمام عبد القاهر جملة وتفصيلا , لأن الحسن والجمال ليس في مقاربة الصورة الحقيقية ولكن في (أن تجمع أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة , وتعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة.) [3]
(1) - عيار الشعر / 25
(2) = نقد الشعر لقدامة بن جعفر/87
(3) = أسرار البلاغة / 136