كأن قلوب الطير الخ
ولقد سار على منوالهم الإمام عبد القاهر فجعل هذه الصورة من (النمط العالي والباب الأعظم , والذي لا ترى سلطان المزية يعظم في شئ كعظمه فيه, ومما ندر ولطف مأخذه ودق نظر واضعه , وجلى لك عن شأو قد تحسر دونه العتاق , وغاية يعيا من قبلها المذاكي القُرّحُ) [1]
ثم ذكر البيت وهكذا ترى الفكرة تتسرب من عقل إلى عقل , ولكنها تأخذ من كل عقل تمرُّ عليه إضافة.
فالفكرة بدأت مع ابن سلام الجمحي في طبقاته حين قال (واستحسن الناس من تشبيه امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا الخ [2]
هكذا فقط (استحسن الناس) حتى وصلت إلى عبد القاهر , فجعلها من النمط العالي والباب الأعظم.
ولقد أدار ابن طباطبا حديثه عن التشبيه من خلال عدة محاور:-
المحور الأول:- طريقة العرب في التشبيه.
وهذا المدخل هو الغاية التي لا تغيب عنه , فهو يرى أن العرب أودعت كل معارفها في الشعر, ثم اختزلت هذه المعرفة في التشبيه داخل الشعر, ولك أن تتخيل هذا الفكر.
معرفة العرب كلها جُمعت في الشعر , فهو ديوانها كما سبق, وجمع كل شيء من داخل الشعر , ووضع داخل التشبيه , فكان التشبيه هو مفتاح المعرفة وبوابتها , فإذا أردت أن تعرف شيئا عن العرب - أيَّ شيء - فلن تحتاج إلا أن تقرأ تشبيهاتها.
ثم ينتقل من هذه الفكرة إلى طريقة العرب في التشبيه , ويحصر ذلك في أنها كانت تشبه الشيء بمثله , ومعنى أنها كانت تشبه الشيء بمثله- كما أفهم- أي أنها كانت تحول المجهول إلى معلوم , والمخفي من الأمور إلى الظاهر منها, والمعنوي إلى المحسوس , وقل ما شئت حول هذا , فالعرب تريد من التشبيه البيان, والشرح ,
(1) = دلائل الإعجاز /89
(2) طبقات فحول الشعراء / 81