الصفحة 45 من 103

4 -التشبيهات البعيدة.

ولا تجد لأحد ممن تقدموا عليه تفصيلا كهذا التفصيل , حتى المبرد في"الكامل"حين تحدث عن التشبيه وقسمه إلى أربعة أقسام (مفرط , ومصيب , ومقارب وبعيد) [1] لم يأتي بما أتى به ابن طباطبا من تحليل وتفصيل للأدوات.

والذي يعنيني هنا هو رؤيته للصورة ومعالجتها , فابن طباطبا يرى أن الصورة التشبيهية تكون في أرقى منزلة, وأحسن هيئة إذا تكاثرت مواطن الشبه وتعددت أواصر القربى, والخيوط الجامعة بين المشبه والمشبه به , يقول: (فإذا اتفق في الشيء المشبه بالشيء معنيان أو ثلاثة معان من هذه الأوصاف قوي التشبيه , وتأكد الصدق فيه , وحسن الشعر به) [2]

ومثل لهذا بقول امرئ القيس:

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي

ولقد جعل المبرد هذا البيت من التشبيه المصيب لأنه (شبه شيئًا في حالتين مختلفتين بشيئين مختلفين) [3]

أي أن قلوب الطير الرطبة المجموعة في وكر العقاب تشبه العناب , وقلوب الطير الجافة اليابسة تشبه الحشف البالي , وأوجز الشاعر ذلك واختزله ولم يفصله اعتمادا على فطنة القاري , حتى أن المبرد يعلق على ذلك فيقول:) فإن اعترض معترض قال: فهلا فصل , فقال: كأن رطبا العناب , وكأنه يابسا الحشف البالي؟

قيل له: العربي الفصيح الفطن اللقن يرمي بالقول مفهوما , ويرى بعد ذلك من التكرار عيبا , قال تعالى - وله المثل الأعلى-:"ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله" (القصص73) علما بأن المخاطبين يعلمون وقت السكون ووقت الاكتساب) [4]

فالمبرد يضع هذه الصورة التشبيهية في أعلى مكان , وكل منهما آخذ من الجاحظ , ومستن به , حيث قال: (ولم نر في التشبيه كقوله حين شبه شيئين بشيئين في حالتين مختلفتين في بيت واحد , وهو قوله:

(1) = الكامل للمبرد 1/ 221 ت / محمد أبو الفضل إبراهيم - نهضة مصر

(2) = عيار الشعر / 23

(3) = الكامل للمبرد 1/ 200

(4) == الكامل 2/ 123

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت