الصفحة 38 من 103

الفكر لم تبدأ من عند ابن طباطبا , وإنما تراها عند بشر بن المعتمر [1] , حين تحدث عن: (ملائمة القول لمعناه كرمًا وخسة , فمن رام معنى كريما فليلتمس له لفظا شريفا وإن شرف المعنى لا يعتد به في تقدير النص والحكم عليه , وإنما المعول عليه في ذلك موافقة الحال وما يجب لكل مقام وحديثه عن تسهيل المعاني العالية وإدنائها من الأفهام العامة , وحاجة ذلك الى البصر بسياسة المعنى , والاقتدار في صياغته والسيطرة عليه) [2]

فصحيفة بشر , وتراث الجاحظ , والمبرد , وغيرهم كان المَعين الذي استمد منه ابن طباطبا فكره البلاغي والنقدي , وهذا كله جمعه الإمام عبد القاهر وأودعه كتابيه"دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة"وجعل نظم الكلم هو ما يقتفي فيه آثار المعاني وترتيبها على حسب ترتيبها في النفس [3]

وإذا كان جوهر النظم ووضع الأشياء في مواضعها , ومطابقة الكلام لمقتضى الحال , فإن هذا الجوهر كان حاضرا أيضا في فكر ابن طباطبا حين توجه إلى الشعراء قائلا: (ولحسن الشعر , وقبول الفهم إياه علة أخرى , وهي موافقته للحال التي يعد معناه لها) [4]

والذي أريد أن أثبته هنا هو أن مفهوم النظم عند هؤلاء جميعا مفهوم واحد , وبخاصة اتفاق الإمام عبد القاهر مع ابن طباطبا العلوي , وترى ذلك دون خفاء في تشبيه النظم بالنسج والصياغة والبناء والوشي , وأن النظم لا يتعلق بالألفاظ دون المعاني , وإنما يشملهما جميعا , فابن طباطبا حلقة من حلقات البناء الفكري البلاغي الذي بدأ بأبي عبيدة معمر بن المثنى وكتابه مجاز القرآن حتى انتهى إلى عبد القاهر الجرجاني فهؤلاء هم الأباء الشرعيون لعلم البلاغة العربية.

مصطلحات في فلك النظم

(1) = بشر بن المعتمر? - 210 هـ / ? - 825 م، أبو سهل. فقيه معتزلي مناظر؛ من أهل الكوفة، قال الشريف المرتضى: (يقال: إن جميع معتزلة بغداد كانوا من مستجيبيه) .تنسب إليه الطائفة (البشرية) منهم، له مصنفات في الاعتزال. مات ببغداد.

(2) -- خصائص التراكيب لمحمد أبي موسى ص 48 بتصرف - مكتبة وهبة - القاهرة

(3) - دلائل الإعجاز ص 35

(4) -- عيار الشعر ص 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت