الصفحة 37 من 103

القرآن الكريم ليست في أنه جاء بما لا تعرف العرب من كلمات , بل بلاغته في أنه نَسَجَ بيانه من كلمات تقاذفتها ألسنة العرب من قبل , وبرغم من هذا كان البيان القرآني بما اصطفاه من مفردات المعجم العربي ونسجه له معجزا , حتى أنك لو شئت أن تقيم كلمة غير قرآنية مقام كلمة قرآنية بينهما تآخ في المعنى والأداء لتبين لك فرق ما بينهما , وفضل ما جاء في البيان القرآني على ما اجتهدت في اصطفائه من المعجم العربي على اتساعه) [1]

وهذا ما جعل ابن طباطبا يحتفي بالنظم وجعل الشعر أعلى شأنا من النثر بسبب النظم حيث يقول: (الشعر - أسعدك الله- كلام منظوم بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم بما خص به من النظم الذي إن عدل عن جهته مجته الأسماع وفسد على الذوق) [2]

وجعل نظم الشعر هو الإخراج النهائي والصورة الختامية , وعلى الشاعر أن يُعدّ أدواته قبل مراسه للشعر , وتكلف نظمه , حتى يأتي شعره كالكلمة الواحدة نسجا وحسنا وفصاحة وجذالة ألفاظ ودقة معاني وصواب تأليف) [3]

والسبب الذي دعاه إلى تأليف هذا الكتاب هو معرفة كيف ينظم الشعر , وتقريب ذلك من الأفهام , وتيسيره على الناشئه , لأن للشعر (أدوات يجب إعدادها قبل مراسه وتكلف نظمه) [4]

كما أن هناك عيوبًا يجب اجتنابها , لأنها تشين النظم , مثل (سفساف الكلام وسخيف اللفظ والمعاني المستبردة , والتشبيهات الكاذبة , والإشارات المجهولة , والأوصاف البعيدة , والعبارات الغثة , حتى لا يكون ملفقا مرقوعا , بل يكون كالسبيكة المفرغة والوشي المنمنم , والعقد المنظم , والرياض الزاهرة , فتسابق معانيه ألفاظه , فيلتذ الفهم بحسن معانيه كالتذاذ السمع بمونق لفظه ) [5]

فالنظم يسلك العملية الإبداعية من أولها إلى آخرها, بداية من الشاعر , فالمقام , فالألفاظ , فالمعاني , فالصور , بحيث يكون إطارا جامعا لكل شيء , وبذور هذا

(1) -- العزف على أنوار الذِّكر معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآنيّ في سياق السورة لمحمود توفيق محمد سعد ص 117

(2) -- عيار الشعر ص 9

(3) -- عيار الشعر ص 11

(4) - عيار الشعر ص 11

(5) -- عيار الشعر ص 12

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت