الصفحة 36 من 103

النظم في عيار الشعر

تُعد قضية النظم القضية الأم في الدراسات البلاغية القديمة والحديثة , ولقد أولى ابن طباطبا هذه القضية أهمية خاصة , فلا تكاد أبواب كتاب عيار الشعر تخلو من إشارة , أوتعليق على بناء الكلام , فالنظم يُعدّ (نظيرا للنسج والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتحبير, وما أشبه ذلك مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض , حتى يكون لوضع كل حيث وضع علة تقتضي كونه هناك , وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصح) [1]

ويعتبر مصطلح (النسج) هو الأكثر حضورا في فكر ابن طباطبا , لأنه يرى الشاعر نسّاجا , ويرى الشعر نسيجًا , ويعنى بذلك قوة النظم وإحكامه ومتانته, كما يفهم منه وجود الزينة والحسن والوشي , فالنسج صورة مكتملة الأركان والألوان والمعالم , وهي تعيد الذهن إلى عملية بناء الشعر بداية من استحضار الصورة قبل العمل , ثم وضع الخيوط وتلاحمها , وتهذيبها , وتزيينها , فالصورة الشعرية أو البناء الشعري يقوم من خلال عملية النظم على ركنين:

الاول: مادة خام تتمثل في الألفاظ والتراكيب والأدوات.

والثاني: الهيئة أو الصورة أو الشكل الذي يظهر من خلال الألفاظ والتراكيب. والعلاقة بين الأمرين علاقة اتحاد , وهذا المقصود موجود عند الجاحظ , وتراه واضحا في جعله الشعر دربا من النسج وجنسا من التصوير.

والبلاغة في حقيقتها قائمة على هذا النسج , وساكنة في هذا النظم , ولا يتصور علوّ كلام على كلام إلا من هذه الجهة (فالكلمات القرآنية هي كلمات عربية من قبل تنزّل القرآن الكريم , فلم يبدع القرآن الكريم كلمات جديدة لم تعرفها العرب , وبلاغة

(1) -- دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني ص 35

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت