الصفحة 33 من 103

وتلك كريمة من كرائم ابن طباطبا , حيث وضع أساسا اعتمد عليه الإمام عبد القاهر , ومن جاء من بعده , وهو أن الألفاظ لا تعاب من حيث هي , وإنما العيب في سوء استخدامها , ووضعها في سياق لا يلائمها. وهذا الفهم تجده عند القدماء مركوزا في طباعهم فسيدنا عمر - رضي الله عنه- وهو يمتدح زهير قال:"كان لا يعاظل بين القول ولا يتتبع حوشي الكلام") [1] وأصل المعاظلة: حمل الشيء على الشيء [2] ... ففي الكلمة ما يفيد معنى الدخيل, ومعنى الخلط بين أمرين خلطا يستوجب النكران والتهجين ,مما يعني أن ابن طباطبا لا يعيب الوحشي ولا البدوي, وإنما يعيب وضع الوحشي مع الحضري, وخلط البدوي مع القروي , وأكد هذا المعنى بقوله"ولا يتتبع حشوي الكلام"بمعنى: أنه يعرف لكل سياق ما يليق به من الألفاظ , فلا يقتصر على الحوشي.

فالغرابة التي عدت من عيوب الفصاحة [3] , ينبغي ألا تتعلق بالكلمة من حيث هي , وإنما تتعلق بالسياق والمقام , وإلا فإننا نحكم على كثير من ألفاظ اللغة بالموت , ونوصي كل مبدع - شاعرًا كان أم غير شاعر - أن يبتعد عن كثير من ألفاظ اللغة بحجة أنها وحشية , لا يظهر معناها , وتحتاج إلى من ينقر عن دلالتها في كتب اللغة , مما يؤدي إلى موت كثير من ألفاظ اللغة شيئا فشيئا وجيلا بعد جيل ,وهذا ما جعل أبا عمرو بن العلاء [4] وخلف الأحمر يقبلان بين عيني بشار [5]

(1) -- النهاية في غريب الحديث والأثر لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري ت- طاهر الزاوي ومحمود الطناحي المكتبة العلمية بيروت 1979 م - 1399 هـ 3/ 510

(2) -- لسان العرب لابن منظور لسان العرب لمحمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري دار صادر - بيروت الطبعة الأولى11/ 456

(3) = الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني /7

(4) = الإمام أبو عمرو بن العلاء التميمي المازني البصري أحد القراء السبعة. واختلف في اسمه على أحدٍ وعشرين قولًا، والصحيح أنه زبان لما روي أن الفرزدق جاء معتذرًا إليه من أجل هجوٍ بلغه عنه، فقال له أبو عمروٍ: ... هجوت زبان ثم جئت معتذرًا ... من هجو زبان لم تهجو ولم تدع

ولد أبو عمروٍ بمكة سنة ثمانٍ أو خمسٍ وستين، ومات بالكوفة سنة أربعٍ وخمسين ومائةٍ، أخذ بمكة: والمدينة والكوفة والبصرة عن شيوخٍ كثيرةٍ منهم أنس بن مالكٍ، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد. وأخذ النحو عن نصر بن عاصمٍ الليثي، وأخذ عنه القراءة عرضًا وسماعًا جماعة كثيرون منهم: عبد الله ابن المبارك واليزيدي، وأخذ عنه النحو الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيبٍ البصري، وأبو محمد اليزيدي، وأخذ عنه الأدب وغيره طائفة منهم: أبو عبيدة معمر ابن المثنى، والأصمعي، ومعاذ بن مسلمٍ النحوي وغيرهم. وروى عنه الحروف سيبويه، وكان أعلم الناس بالعربية والقرآن، وأيام العرب والشعر. وكان يونس بن حبيبٍ يقول: لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله في كل شئ كان ينبغي أن يؤخذ بقول أبي عمرو بن العلاء، وقال أبو عبيدة: أبو عمروٍ أعلم الناس بالقراءات العربية وأيام العرب والشعر، وكانت دفاتره ملء بيته إلى السقف ثم تنسك فأحرقها، وأما حاله في أهل الحديث فقد وثقه يحيى بن معينٍ وغيره وقالوا: صدوق حدة في القراءة وله أخبار حسان، وروى عنه فوائد كثيرة يطول ذكرها.

(5) = بَشّارِ بنِ بُرد95 - 167 هـ / 713 - 783 مأشعر المولدين على الإطلاق. أصله من طخارستان غربي نهر جيحون ونسبته إلى امرأة عقيلية قيل أنها أعتقته من الرق. كان ضريرًا. نشأ في البصرة وقدم بغداد، وأدرك الدولتين الأموية والعباسية، وشعره كثير متفرق من الطبقة الأولى، جمع بعضه في ديوان. اتهم بالزندقة فمات ضربًا بالسياط، ودفن بالبصرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت