حين بنى القصيدة على الغريب , وقال: (إنما بنيتها أعرابية وحشية , فقلت:"إن ذاك النجاح"كما يقول الأعراب البدويون , ولو قلت: بكرا فالنجاح كان هذا من كلام المولدين , ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة) [1] .
إن ابن طباطبا ينظر إلى اللغة كلها نظرة واحدة , وإلى ألفاظها جميعا بمقياس واحد, فكل الألفاظ فصيحة , فقط يتوجب على الشاعر (أن يؤلف بين الألفاظ , ولا يشين عقوده بأن يفاوت بين جواهرها, ولا يخلط بين البدوي الفصيح والحضري المولد) [2]
ولقد وضع شرطا آخر للفصاحة , وهو إجتناب سفساف الكلام وسخيف الألفاظ- (والسفساف: نعت مطرد في كل شيء لم يُحكم صنعه أما السخف فرقّة وضعف وخفة) [3]
وللجاحظ هنا لفتة بديعة لا ينبغي أن تترك , حيث جعل سخيف الكلام يحسن مع سخيف المعاني , يقول: (ليس في الأرض كلام هو أمتع ولا آنق , ولا ألذ في الأسماع , ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة , ولا أفتق للّسان , ولا أجود تقويما للبيان من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء , والعلماء البلغاء , وقد أصاب القوم في عامة ما وصفوا , إلا أني أزعم- والكلام للجاحظ -أن سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني , وقد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع , وربما أمتع بأكثر من امتاع الجذل الفخم من الألفاظ , والشريف الكريم من المعاني , كما أن النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا , وإنما الكرب الذي يختم على القلوب , ويأخذ بالأنفاس النادرة الفاترة التي لا هي حارة ولا هي باردة , وكذلك الشعر الوسط والنادرة الوسط , وإنما الشأن في الحار جدا والبارد جدا) [4] وأخلص من هذا إلى أن ابن طباطبا في كتابه عيار الشعر جعل لفصاحة الألفاظ شروطا , قد تضاف إلى ما ذكره البلاغيون وهي:
(1) -- دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني ت / أبي فهر - الخانجي - القاهرة ص 211
(2) -- عيار الشعر ص 12
(3) -- غريب الحديث لحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي أبو سليمان ناشر جامعة أم القرى - مكة المكرمة، 1402تحقيق: عبد الكريم إبراهيم
(4) -- البيان والتبيين للجاحظ 1/ 47 ت / المحامي فوزي عطوي دار صعب - بيروت - ط / الأولى 1968 م