الصفحة 32 من 103

وكأن القوم يقفون على الثغور , وأخطر هذه الثغور هو لسان الأمة , لذلك تترسوا حوله وحرسوا الشعر , ودافعوا عنه ضد كل دخيل , وكان عيار الشعر واحدا من الجنود التي حمت حمى العربية , ولقد أحسن ابن طباطبا حين اختار له هذا العنوان

فصاحة الكلمة والكلام في كتاب: عيار الشعر

في حديث ابن طباطبا عن صناعة الشعر تحدث عن اللفظة وضرورة أن تخالط أقرانها , فلا يصح أن نضع لفظة بدوية وحشية بجوار ألفاظٍ سهلة حضرية , وكأن للفظة عالما تعيش فيه , وبيئة تسكن إليها , فالوحشي مع الوحشي يأنس ويقر ويسكن , والحضري مع الحضري ينسجم ويتناغم.

لكن العيب كل العيب - في فكر بن طباطبا - أن يخلط الشاعر بين البيئتين فيضع ألفاظا من هنا مع ألفاظ من هناك , يقول ابن طباطبا: (إذا أسس الشاعر شعره على أن يأتي فيه بالكلام البدوي الفصيح لم يخلط به الحضري المولد , وإذا أتى بلفظة غريبة أتبعها أخواتها وكذلك إذا سهل ألفاظه لم يخلط بها الألفاظ الوحشية النافرة الصعبة القيادة) [1]

فالقضية إذن في فهم بن طباطبا قضية تلاؤم بين الألفاظ , وانسجام , وبيئة تحيا فيها كل لفظة , شأنها شأن الإنسان , وشأن كل شيء يعيش ويتكيف في بيئته , وحين يختار الشاعر بيئة , أو سياقا بدويا فليجعل ألفاظه أوابد , وإن أراد سياق الحضر فليختر من الألفاظ ألينها وأسهلها , لأن الألفاظ تحيا في سياق , وتموت في آخر , أو تحسن في سياق وتقبح في آخر.

وهذا الفكر أقام عليه الإمام عبد القاهر الجرجاني عمود بلاغة الخطاب , وهي حسن الدلالة , وتمام الدلالة , وتبرج الدلالة , وأسس على ذلك أن الكلمة لا توصف بحسن ولا قبح ما دامت بعيدة عن سياقها , واستشهد على ذلك بالشواهد.

(1) -- عيار الشعر تأليف محمد بن طباطبا العلوي شرح وتحقيق عباس عبد الساتر مراجعة نعيم زرزور دار الكتب العلمية بيروت ص 12 طبعة 1982 م 1402هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت