وهذا يدل على أن علماءنا ينظرون إلى الشعر على أنه جوهر له موازينه , فلكل كلمة قدرها , ولكل معنى منزلته , ولكل صورة مكانتها , ليس هذا لأنهم أهل لغة ولسان , ولكن لأنهم أهل تقى ودين.
فالعناية بالشعر , وإعلاء قدره , ورفع ميزانه , والنظر إليه على أنه كالذهب الأبريز , يوزن ويقاس , وتوضع له المعايير ليس إلا إعلاء للقرآن الكريم , وإعجازه.
المهم أن العيار الذي وضعه ابن طباطبا هو الفهم الثاقب , لأن (الشعر - عنده - عمل عقلي , وتأثير الشعر في المتلقين تأثير عقلي , لأنه مقصود بمخاطبة الفهم , ووسيلته إلى هذه المخاطبة هي الجمال أو الحسن , والسر في كل جمال هو الاعتدال , كما أن علة القبح الاضطراب , ولذلك لا يتحقق جمال الشعر إلا بالاعتدال , أي: الانسجام ... فإذا تم له ذلك كان قبول الفهم له كاملا , فإذا نقص من اعتداله شيء أنكر الفهم منه بقدر ذلك النقصان , والفهم هو القوة التي تجد في الشعر لذة , مثلما كل حاسة تلتذ بما يليها , وتتقبل ما يتصل بها) [1]
وهذا الميزان لم يخترعه ابن طباطبا , بل هو الذي تعارف عليه السابقون (فلقد قيل لخلف الأحمر [2] : إنك لا تزال ترد الشيء من الشعر , وتقول: هو ردئ , والناس يستحسنونه!!! , فقال إذا قال لك الصيرفي: إن هذا الدرهم زائف , فاجهد جهدك أن تنفقه فإنه لا ينفعك قول غيره: إنه جيد) [3]
المهم أن هناك معيارا , وميزانا , ومقدارا , ومكيالا , يوزن به الشعر.
ولما كان الشعر هو أصل العلوم , ومرتكزها , كان الاهتمام به اهتماما بالغا , ووضعت له الكتب , وحددت له المعايير , فهذا (قواعد الشعر) لثعلب , وهذا ... (الشعر والشعراء) لابن قتيبة , وهذا (طبقات الشعراء) لابن المعتز , ومن قبله (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي , وهذا (نقد الشعر) لقدامة بن جعفر , وهذا (العمدة في محاسن الشعر وآدابه) لابن رشيق.
(1) = تاريخ النقد العربي لإحسان عباس ص 141
(2) = خلف الأحمر? - 180 هـ / ? - 796 م خلف بن حسان الأحمر أبو محمد وأبو محرز. كان مولى أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، أعتقه وأعتق أبويه. وكان أعلم الناس بالشعر، وكان شاعرًا، ووضع على شعراء عبد القيس شعرًا موضوعًا كثيرًا وعلى غيرهم عبثًا بهم، فأخذ عنه أهل البصرة وأهل والكوفةوأخذ النحو عن عيسى بن عمرو وأخذ اللغة عن أبي العلاء. وكان يضرب به المثل في الشعر، وكان يقرأ القرآن في كل يوم وليلة.
(3) = الموازنة بين أبي تمام والبحتري للآمدي 1/ 91 ت / محمد محيي الدين عبد الحميد دار المعارف القاهرة 1987