وقفة مع العنوان
يقول الشيخ أبو موسى - أعزه الله - (واعلم أن علماءنا لم يكونوا علماء في هذا الباب إلا بعد أن درسوا الشعر دراسة جعلته مع سعته وعمقه وتراحبه كأنه قد أجمع لهم , ووضع تحت أبصارهم , يرون أفكاره وصوره , وهواجسه وخواطره , ... ولعلمائنا مقاصد وأغراض في تسميات كتبهم , ولم يسم الزمخشري كتابه: أساس البلاغة إلا وهو يقصد معنى لفظ"أساس"وأن البلاغة لا تبنى إلا على هذا الأساس , وأن هذه الشذرات البيانية المختاره كأنها متن بياني , يجب على طالب العلم أن يرتاض به , وأن يرتاض فيه , وأن يصقل به لسانه وعقله ولغته , ونفسه, لأن البلاغة لا وجود لهافي نفس ذات حس غليظ, ولا وجود لها إلا حين يوجد القلب الحي , والنفس اليقظى) [1]
والذي يظهر بوضوح أن ما دفع ابن طباطبا وغيره من النقاد لوضع الكتب التي تضبط حركة الشعر العربي , وترسم له الخطى هو إحساسهم بالتغيير الذي تسرب إلى لغة الشعر ومعانيه, وصوره ومراميه, وهذا التغيير لو استمر لضاع الأصل , وخبا ضوؤه , فكان لا بد من الحفاظ على الأصل ليقاس عليه , فوضعوا المقاييس والمعايير التي يقاس بها كل شعر حديث , وهذه المقاييس تتخذ من الشعر القديم مرجعا , وإذا كان لكل شيء تسجيده عله , - كما يقول الإمام - فإن ابن طباطبا جعل للشعر عيارا يقاس به , وميزانا يوزن به , فالأمر ليس متروكا لكل أحد يستجيد أو يستحسن , بل هناك أصول يرجع إليها , وفقهاء , وأهل فتوى في الشعر الجيد , والفرق بينه وبين الشعر الردئ , وهناك عيار يقاس به الكلام ويوزن ,
(1) = خصائص التراكيب / 7 مكتبة وهبة - القاهرة الطبعة الثانية 1408 هـ