تخدي بهم أدمٌ كأن رحالها ... علق أريق على متون سوار
أي تسير بهم إبل كأن رحالها دم أريق على متون صوار , فالصورة هنا بعيدة لذكر الدماء المراقة , إذ لا يحسن في وصف سرعة السير التشبيه بالدماء المراقة , كما أن صورة الدماء المراقة على الصوار غير معهودة , وسرعة سير الإبل معروفة , فكيف يشبه المعروف الواضح المشاهد بالمخفي الغامض غير المشاهد , والتشبيه مهمته الأولى إخراج الخفي إلى الجلي , وليس العكس , لذلك قبحت الصورة وبعدت , فالنقد قائم عنده على تلك اللفتات البلاغية , أو استخدام الكلمة في غير موضعها , كما في بيت المسيب بن علس [1] :
وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعربية مكدم
فسمعه طرفة فقال: استنوق الجمل) [2]
وكما في قول النابغة الجعدي:
كأن حجاج مقلتها كليب ... من السمقين أخلق مستقاها
فقال ابن طباطبا معلقا: والحجاج لا يغور , لأنه العظم الذي ينبت عليه شعر الحاجب) [3]
فلما نسب الغور إلى الحجج أخطأ في استخدام اللفظة , وكان عليه أن يقول:
(كأن عيون مقلتها) لأن العيون هي التي تغور.
ولا يغيب هنا أن العاطفة الإيمانية كانت تستحوذ على فكر ابن طباطبا , فتراه ينتفض , ولا أقول يعترض على الكميت [4] حين افترض أن هناك من يعيب عليه مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:
إليك يا خير من تضمنت الأرض ... وإن عاب قولي العُيُبُ
(1) - =المسيب بن عَلس00 - 48 ق. هـ / 525 - 575 مالمسيب بن مالك بن عمرو بن قمامة، من ربيعة بن نزار. شاعر جاهلي، كان أحد المقلّين المفضلين في الجاهلية. وهو خال الأعشى ميمون وكان الأعشى راويته. وقيل اسمه زهير، وكنيته أبو فضة.
له ديوان شعر شرحه الآمدي. الموسوعة ص 819
(2) = عيار الشعر / 99
(3) = عيار الشعر / 94
(4) = الكميت بن زيد الأسدي60 - 126 هـ / 680 - 744 مالكميت بن زيد بن خنيس الأسدي أبو المستهل. شاعر الهاشميين، من أهل الكوفة، اشتهر في العصر الأموي، وكان عالمًا بآداب العرب ولغاتها وأخبارها وأنسابها فهرسالموسوعة الشعرية ص 786