الصفحة 25 من 103

كان المقصود منه أن يحذو الشعراء في نقدهم للتشبيه حذوه , وأن يعرفوا مواطن الخلل في الصورة , ففي قول خفاف بن ندبة [1] في وصف الناقة:

أبقى لها التعداء من عتداتها ... ومتونها كخيوطة الكتان

يقول: (فالعتدات: القوائم , أراد أن قوائمها دقت حتى عادت كأنها الخيوط , وأراد ضلوعها , فقال: متونها) [2] فهذا خلل في الصورة , وبعد وغلو في التشبيه , إذ كيف يجعل قوائم الناقة - مهما دقت - خيوطا, هذا لا يليق , ولا يحسن , كما أنه جعل الضلوع متونا , وهذا أيضا لا يليق لأنه وضع للألفاظ في غير موضعها.

ثم ينتقل ابن طباطبا إلى ذكر نماذج من أهل البصر بالشعر , بعد أن ذكر نماذج من نقده هو , ليقول إن سلوك دروب الشعر وفقهه يحتاج إلى خبير بمزالقه وسقطاته , ومن ذلك ما فعلته عزة صاحبة كثير حين قال:

(ألا ليتنا ياعز من غير ريبة ... بعيران نرعى في الخلاء ونعزب

كلانا به عر فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدي وأجرب

فقالت له عزة: لقد أردتَ بي الشقاء , ومن المنية ما هو أوطأ من هذه الحال) [3]

فقامت هي بنقده , وإظهار ما في شعره من خلل , تماما كما فعلت أم جندب [4] بنقد بيت زوجها امرئ القيس حين قال:

فللسوط ألهوب وللساق درة ... وللزجر منه وقع أخرج مهذب

فقالت: إن فرسا يحتاج إلى أن يستعان عليه بهذه الأشياء لغير جواد) [5]

وابن طباطبا وهو يذكر هذه النماذج يستحضر في فكره تدريب الشعراء على النقد , ومداخل ذلك , سواء من حيث الألفاظ , أو المعاني.

وبعد هذا ينبغي الوقوف هنا والتنبيه على أن ابن طباطبا كان يعتمد في نقده على اللفتات البلاغية , وجعل ذلك أساسا لنقده سواء في الصورة مثل نقده لقول النابغة [6] في وصف الإبل المسرعة:

(1) = خفاف بن ندبة السلمي20 هـ / ? - 640 م خفاف بن ندبة بن عمير بن الحارث بن عمرو (الشريد) بن قيس بن عيلان السلمي.

اشتهر بالنسبة إلى أمه ندبة بنت شيطان، وكانت سوداء سباها الحارث بن الشريد حين أغار على بني الحارث بن كعب، فوهبها لابنه عمير فولدت له خفافًا، وهو من فرسان العرب المعدودين، يُكنى أبا خُراشَة، أدرك الإسلام فأسلم وشهد فتح مكة وغزوة حنين والطائف، ومدح أبو بكر، وكان أحد أغربة العرب، وهو ابن عم الخنساء الشاعرة. وأكثر شعره مناقضات له مع العباس بن مرداس.

(2) = عيار الشعر / 93

(3) = عيار الشعر 95

(4) = زوج امرئ القيس , وهي التي حكمت بينه وبين علقمة في المناظرة المعروفة انظر الشعر والشعراء ص 39

(5) = عيار الشعر 99

(6) = النّابِغَةِ الجَعدِيّ54 ق. هـ - 50 هـ / 570 - 670 م قيس بن عبد الله، بن عُدَس بن ربيعة، الجعدي العامري، أبو ليلى. شاعر مفلق، صحابي من المعمرين، اشتهر في الجاهلية وسمي النابغة لأنه أقام ثلاثين سنة لا يقول الشعر ثمَّ نبغ فقاله، وكان ممن هجر الأوثان، ونهى عن الخمر قبل ظهور الإسلام. ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم، وأدرك صفّين فشهدها مع علي كرم الله وجهه، ثم سكن الكوفة فَسَيّره معاوية إلى أصبهان مع أحد ولاتها فمات فيها وقد كُفَّ بصره وجاوز المائة. انظر فهرس الموسوعة851

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت