الصفحة 23 من 103

وجدانه بعد العناء في نشدانه, فإن السمع إذا ورد عليه ما قد مله من المعاني المكررة , والصفات المشهورة التي قد كثر ورودها عليه مجه وثقل عليه رعيه , فإذا لطف الشاعر لشوب ذلك بما يلبسه عليه - لاحظ- فقرّب منه بعيدا , أو بعّد منه قريبا , أو جلل لطيفا , أو لطف جليلا أصغى إليه ودعاه , واستحسنه السامع واجتباه) [1]

بل إنه يشدد على الشعراء ليتقنوا شعرهم من أجل السامع فيقول: (فواجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة متقنة لطيفة مقبولة حسنة مجتلبة لمحبة السامع له, والناظر بعقله إليه مستدعية لعشق المتأمل في محاسنه, والمتفرس في بدائعه) [2]

إذن هناك سامع , وناظر , ومتأمل , ومتفرس , والشاعر يعلم ذلك يقينا , فهو لا يقول كلاما في الهواء , كما يدعي أصحاب نظرية الفن للفن ,بل هو يبدع عرائس تُعرض في معارض الحُسن , وهناك غيرها من الحِسان , والنقاد كُثرُ, والناظرون لا حد لهم , والشاعر يعرف كل هذا قبل وبعد وأثناء إبداعه ,لذلك عليه أن يتريث , ولا يخرج بديعته إلا بعد مراجعات , ونظرات بعد نظرات.

المعلم السادس: تدريب الشعراء.

من معالم الفكر في كتاب عيار الشعر: اعتماد ابن طباطبا منهج التدريب , لأنه أخذ على عاتقه مهمة طبع اللسان الحديث , بطابع اللسان القديم في الشعر , وهذا أمر يحتاج مع العلم صبرًا , وقدرةً على التدريب , وإعادة الأمر مرة بعد مرة , وممارسة النقد بنفسه , ولفت الانتباه إلى نقد الآخرين , وهو في كل ذلك مدفوع بعاطفة دينية , تظهر من خلال تعليقه على بعض الأبيات , ولتوضيح هذا كله اسمعه وهو يمارس النقد بنفسه فيذكر شعرا حسن اللفظ واهي المعنى كقول الأعشى:

قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يارجل

(1) = عيار الشعر / 72

(2) = عيار الشعر / 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت