الصفحة 22 من 103

وعلى هذا فإن صنيع ابن طباطبا في كتابه هو الأنموذج الأمثل في مطابقة حال الكتاب لحال المقصودين , وهم الشعراء , ولذا قد يغمض على القارئ العادي فكر ابن طباطبا , وحركة عقله , وإعراضه عن التحليل والبيان , ولا عجب في ذلك , فالكتاب مصنوع للشعراء , وهم على وعي كامل بمراده حين يتابع بين الشاهد والشاهد دون كلمة. أما القارئ الآخر فهو - بلا شك - في أمس الحاجة إلى معرفة وجه الإحكام , وعلة الإتقان (وتفلية الشعر ونقضه كلمة كلمة , وتركيبا تركيبا ليتبين مراده بهذا الحكم أو ذاك) [1]

ولم يكن هذا همّ ابن طباطبا في عيار الشعر , وإنما همه تدريب الناشئة من الشعراء على الشعر القديم , لتكون البلاغة ذوقا ناشئا من طول المراس , وليس من وضع القاعدة , فكم من قواعد وضعت واستدل عليها بالشاهد الواحد , أو بالمثال الواحد , ثم قل ضوؤها , وخبت نيرانها , بل كم من قواعد وضعت ثم بحث أصحابها عن مثال لها فلم يجدوا.

لكن هنا في عيار الشعر ترى الشواهد والمختارات هي القائدة لحركة العقل عند ابن طباطبا , وعند المعنيين بكتابه على حد سواء.

المعلم الخامس: حضور السامع في الفكر:

في كتاب عيار الشعر تلحظ حضور المتلقي وبقوة في فكر المؤلف , حيث يقدم له ما يستفزه من مرغبات في الشعر العربي القديم , وما يبعده عن كل قبيح.

فالعملية الإبداعية عملية مشتركة بين الشاعر والمتلقي , وحضور المتلقي في ذاكرة وفكر الشاعر تجعله أيضا يبني الكلام بناءً يناسب حاله , ويطابق واقعه , فتراه يتحدث عن الابتداء بما يعلم السامع , وما يحسّ به السامع , وهو حريص على ابتهاجه وإثارته , لذلك يقول: (وليست تخلو الأشعار من أن يقتص فيها أشياء هي قائمة في النفوس والعقول , فيحسن العبارة عنها , وإظهار ما يكمن في الضمائر منها , فيبتهج السامع لما يريد مما قد عرفه طبعه , وقبله فهمه , فيثار بذلك ما كان دفينا , ويبرز به ما كان مكنونا , فينكشف للفهم غطاؤه , فيتمكن من

(1) = الإعجاز البلاغي لأبي موسى / 16

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت