وهذا الصنيع تراه عند عبد الله بن المعتز في البديع حيث يذكر رؤيته للباب , وتعريفه له , ثم يسرد الأمثلة عليه , ويعلق على بعضها.
وهذا المنهج أراه أعلى وأقوم من عرض كل جزئية , والاستشهاد عليها بشاهد , أو اثنين , ثم عرض أخرى والاستشهاد عليها بشاهد أو اثنين , لأن صنيع ابن طباطبا - ومن قبله ابن المعتز - لم يقصد منه دراسة مسائل علمية , وإنما أريد منه - كما أرى - تربية الذائقة , وتقويم الألسنة , وتثقيف الأفهام , وهذا لا يكون بمثال أو مثالين , وإنما يكون بذكر المقصود ثم فتح الباب أمام الشعر لينثال على القلوب , فلا تجد بدا من التطبع به , ولا تجد مندوحة من الإقرار بالقاعدة الموضوعة
وماذا يفعل المثال الواحد في العقل والقلب؟
إن ما قام به ابن طباطبا , وابن المعتز فضيلة , لو أنها أعيدت لحصل من ورائها خير كثير.
وليس معنى هذا أن كتاب عيار الشعر مجموعة من الأشعار , وإنما هو مدخل لكتاب آخر هو في الحقيقة مجموعة من الأشعار , وهو كتاب (تهذيب الطبع) .
ولاحظ هذه التسمية"تهذيب الطبع"فالأمر في سرد الأشعار مقصود منه الطبع وتثقيفه , ونهذيبه , وصقله , وشحذه , وقل: كل ما تعرفه , حتى تصل بالطبع الحديث إلى طباع الأوائل.
وأرجع معك إلى عيار الشعر وأقول: إنه ليس مجموعة من الأشعار , وإنما هو تحديد لموازين الشعر الجيد , وتأطيره , ورسم حدوده , سواء كان ذلك بالفكرة البلاغية , أو بالشواهد الشعرية.
وابن طباطبا كاد يكتفي فيه بالشواهد ارتقاء بطبع هؤلاء الشعراء لأن (تذوق اللغة والقدرة على تلقي خوافي أسرار الشعر والأدب لا بد أن يكون في مستوى القدرة على اصطناعها في الإبانة عن المعاني , لأن من يحكم اختيار ألفاظه وتراكيبه وصوره لا بد له من ذوق يعينه على ذلك , ومن هنا كان أعرف الناس بطبقات الكلام أقدرهم على صوغه , أو من دفع في مضايقه) [1]
(1) = الإعجاز البلاغي دراسة تحليلية للدكتور أبي موسى / 16