المعلم الرابع: كثرة الشواهد
كان ابن طباطبا يطرح الفكرة أو الرأي , ثم يلتمس له من الشواهد ما يقوي به هذا الرأي , أو تلك الفكرة , ولما كان مخزونه الشعري وافرا , بل قل: لما كان شاعرا قد اطلع على شعر العرب , وحفظ الكثير منه كانت استشهاداته لا تتوقف حتى يقتنع القارئ , ولا يجد بدا من قبول الفكرة , والتسليم لها , وكثرة هذه الشواهد إنما هو توكيد لها , وكما يقول ابن رشيق (كلما أكثرت من الشواهد في باب فإنما أريد بذلك تأنيس المتعلم, وتجسيره على الأشياء الذائعة , ولأريه كيف تصرف الناس في ذلك الفن , وقلبوا تلك المعاني والألفاظ) [1]
فابن طباطبا يأتيك بالأشعار تترى , ليبرهن لك عن قوة فكرته , وصدقه وإصابته , فهو يشرح لك الفكرة بالمثال , ويعرّف لك القضية بالمثال , ويحلل لك المقصود بالمثال , فالمثال الشعري هو جل عدته , في إيصال فكره إلى المتلقي.
وراجع عنده حديثه عن الأشعار المحكمة تراه يحدثك عن الحسن والسلاسة , والسهولة والانتظام , وتمكن القوافي , وعدم التكلف , ولم يذكر تعليقا على هذه القضايا , ولم يعرِّفها , ولم يشرح , ولم يحلل , إنما فقط أخذ يتابع المثال تلو المثال , وكأنما وهو يفعل ذلك يريك ما يراه , فذكر مائتين وواحدا وثلاثين بيتا من الشعر , لعشرين شاعرا دون تعليق.
وهذا المنهج منهج يخاطب النفوس ويطبع الذائقة , قبل أن يخاطب العقل بالإقناع أو الرفض وكأن القضية عنده لا علاقة لها بالقبول أو عدمه, فهو يخاطب الشعراء الصغار الراغبين في صقل موهبتهم , وتثقيف طباعهم , وحين تخاطب الموهبة والطبع فعليك بالمثال والشاهد , فهو الأقدر على إسكان المعاني والألفاظ داخل النفس , وهو الأقوى على تقويم اللسان , وتثقيف الفهم ليثمر.
المهم أن طرح الفكر يبدأ أولا , ثم يأتي بعد ذلك الشعر منهمرا على الفكر ليؤصله , لذلك تراه يقول بعد ذكر مفهوم الشعر وأدواته , وكيفية صياغته , وصناعته: (ونذكر الآن أمثلة) .
(1) = العمدة في محاسن الشعر 1/ 129