واستوحش عند حسه به , وصدئ له , وتأذى به ... وعلة كل حسن مقبول: الاعتدال , كما أن علة كل قبيح منفي: الاضطراب) [1]
إذا تحكيم العقل هو في الختام تحكيم للذوق , ليس أي ذوق , ولكنه الذوق المثقف الذي يضع الأشياء في مواضعها , فإذا كانت كل حاسة تقبل ما يتواءم معها , مما يشاكلها , فإن الفهم هو المحكم في الكلام , وهو الذي يدرك الحق المألوف , ويميزه من الجائر المجهول المنكر , ويدرك الحسن , والصنعة الجيدة من الكلام الذي لاخلابة فيه , ولا جمال.
إن العقل والفهم والذوق عند ابن طباطبا بمعنى واحد , بل لو أنك أضفت إليها الصدق لم تكن بعيدا , المهم أن تحكيم العقل كمعلم ومعيار في فكر ابن طباطبا له حظ وافر.
وتعجب حين ترى الرجل في هذه الجزئية لم يورد شاهدا واحد من الشعر, وكأنه في معرض تثبيت القاعدة , وعدم شغل الذهن بغير الفكرة , بل إنه وضع هذا التصور تحت عنوان:"عيار الشعر", أي: عنوان الكتاب , وكأنه ملخص لكل ما يريده , ولذلك عده النقاد صاحب نظرية ذوقية , وعدوا كتابه ومشروعه كله في النقد مشروعا ذوقيا , يقوم على دعامتين.
الأولى: الذوق , وهذا من الناحية النظرية
الثانية: التطبيق الفعلي على القصائد المدروسة.
وقد ذهب الدكتور إحسان عباس إلى أن ابن طباطبا اعتمد على الذوق المعلل في منهجه, وكذا على العقل الثاقب في النقد حتى استطاع أن يكشف العلاقات الجمالية
ولقد تبين أن الذوق عند ابن طباطبا هو والعقل والفهم سواء , وأن الرجل أراد أن يبين أن الحكم والمرجع والعيار الذي يقاس به الشعر يجمع هذه الثلاثة , فالشعر كلام يرد على العقل , والفهم الثاقب , والذوق المسترشد بهما , فيخرج في النهاية الحكم على الشعر بالحسن أو بالرداءة.
(1) = عيار الشعر 20 , 21