الذي أريد أن أوضحه هنا أن ابن طباطبا كان يحلل الشعر بالشعر , ويوضح الحُسن بالقبح , ويبرز المساوئ بذكر المحاسن .... كل ذلك من خلال النصوص ولعل ذلك منهج بين الشعراء قل أن تجده بين غيرهم.
المعلم الثالث: تحكيم العقل.
حين تراجع كتاب عيار الشعر ستجد روحا منطقية , جعلت البعض يدعي تأثره بالمنهج الفلسفي , أو بأرسطو , أو أن (عقلانيته تصله وصلا وثيقا بالمعتزلة) [1] وكل ذلك سببه أن الرجل يريد من الشاعر أن يعد أدوات كثيرة , منها وضع الأشياء في مواضعها , أو كما عبر هو: كمال العقل الذي به تتميز الأضداد , ولزوم العدل , واجتناب القبيح ... إلخ
تلك هي الآلية التي يتميز بها الشعر الجيد عن الرديء.
وتحكيم العقل عنده , يعني جماع أدوات الشعر , وليس معناه العقل المنطقي العلمي , فهو يرشد إلى أدوات يجب إعدادها قبل مراس الشعر , وتكلف نظمه , فمتى تعصت عليه أداة من أدواته لم يكمل له ما يتكلفه منه وبان الخلل فيما ينظمه , ولحقته العيوب من كل جهة .... وجماع هذه الأدوات كمال العقل الذي به تتميز الأضداد , ولزوم العدل , وإيثار الحسن , واجتناب القبيح , ووضع الأشياء في مواضعها) [2]
وهذا معناه قبول الحواس لتذوق الفن في العقل , فالعقل والفهم كلاهما يفضي إلى القبول أو الرفض , وعلة القبول أن الحواس تتقبل ما يتصل بها , (فكل حاسة من حواس البدن إنما تتقبل ما يتصل بها .... والفهم يأنس من الكلام بالعدل الصواب الحق , والجائز المعروف المألوف ,ويتشوف إليه, ويتجلى له, ويستوحش من الكلام الجائر , والخطأ الباطل , والمحال المجهول المنكر .... فإذا كان الكلام الوارد على الفهم منظوما , مصفى من كدر العي .... قبله الفهم , وارتاح له , وأنس به , وإذا ورد عليه على ضد هذه الصفة , وكان باطلا محالا مجهولا انسدت طرقه , ونفاه ,
(1) -- تاريخ النقد الأدبي عند العرب لإحسان عباس ص 13دار الثقافة للنشر بيروت الطبعة الرابعة 1983 م
(2) = عيار الشعر / 19