فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 72

وأنا أحس بأني مرغم على مفارقة الجدار، وكان بودي أن أُقلب اللافتات وطياتها، وقراءة الأسماء، لأعرف من بقي لي من الأصدقاء. ومن يكون بعدهم.. وأن أقول رغبتي في أن أجد لافتتي معلقة مع حشدهم هذا على الجدار، حيث أستقر على طابوقاته بين الحشد من الأصدقاء والأحبة والمعارف. كان انقيادي معه بطيئًا، وقد أرخى يده، تاركًا حركتي على بطئها، فاستجبت له مداريًا مشاعره الطيبة، وحين سرنا مسافة ليست طويلة التفت خلالها إلى الجدار، إذ لاحظت مجموعة من الشباب، وهم يحملون سلّمًا خشبيًا، كانوا على عجالة من أمرهم، وضع أحدهم السلّم على الجدار، فيما ارتقى الآخر، وهو يحمل قطعة قماش سوداء. فضّها، ثم ثبت أحد أطرافها من الأعلى والأسفل. نقل السلّم إلى الجهة الأخرى، وأخذ يسحب القطعة، حيث ظهرت لافتة كبيرة سوداء، كتب عليها بالطلاء الأبيض تركت كفه، وعدت إلى الجدار، وهو يسألني ملاحقًا:

-إلى أين...؟!

-لأرى من يكون هذه المرة..؟!

اقتربت، فيما الشاب أخذ يضبط تواتران اللافتة وتثبيتها على الجدار، شعرت بضربات قلبي تزداد، وبفرح يطغى على روحي. تجمع الشباب أمام اللافتة ناظرين بإمعان. طأطأوا رؤوسهم، وأخذ كل منهم يمسح عينيه بباطن كفه، ثم غادروا المكان، وأنا أتلو ماكتب على اللافتة، حتى أدركني صاحبي وأمسك بيدي متسائلًا:

-دع عنك هذا يا أخي.؟!

-ألا تقرأ مامكتوب عليها..؟!

-إقرأ. إنها حالة يومية.

-بل إقرأ جيدًا..؟

ولم أقل له شيئًا، بل كتمت ما قرأته، ولم أستطع القول: ألا تلاحظ أن اسمي واسم أبي مثبت على اللافتة السوداء.. حدّق بوجهي، ولا أدري ما الذي اكتشفه فيه، ثم سرت معه ببطء شديد، كأني أخرج توًا من رحم اللافتة، حاملًا كل صور الجدار وتواريخها.. جدار المدينة العتيد.

كانون الثاني 1994.

الحصان

لابد من القيام بالعمل هذا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت