فلان.. الشهيد فلان بن فلان.. والفقيد فلان بن فلان.. إثر حادث مؤسف... تراكم شديد وألوان حالكة السواد، لكنها تحتفظ كالذاكرة بهذه الأسماء.. أصدقاء ومعارف وأبناء مدينة ووجوهها، جميعهم شهدوا أسماء دون وجوه من خلال جدار المدينة هذا، والذي بدا لي منتصبًا عريضًا، كما لو أنه شُيد لهذا الغرض، إنه لا يشبه جدار السنوات الخوالي، بل اتسع كالذاكرة ليحتوي هذه اللافتات والأسماء والتواريخ والأماكن،إنه ذاكرة الموت. رحت أتصفح زواياه، وأدرج في ذاكرتي أسماءهم وتواريخ وفاتهم واستشهادهم، وأنا بعيد عنهم.! وكم تمنيت أن يكون صاحبي معي الآن ليرى ما أنا أراه ويدرك الإحساس الذي أعيشه، وأن يرى المدينة، وهي قد اتخذت لها جدارًا للوداع لأبنائها تعزيهم من خلاله، وسأوصيه برغبتي في أن تكون لافتتي مع هذا الحشد من الأسماء، وأن يكون وداعي هكذا من خلال هذا الجدار الأصيل، لا أن أرمى نفاية في المدن الغريبة، لا لافتة ولا شعار، لا أسماء ولا جدار ولا إلفة، حشد من الأصدقاء يحتضن بعضنا الآخر، ويقبل البعض، نسير مودعين بعضنا والمدينة، ونلتقي هكذا، لنودع من بقوا في المدينة المائية هذه.
ربما يوافقني أو لا يتفق على ذلك، إذ يعتصر كفي مواسيًا ومداريًا، أو ربما تدمع عيناه على مالا يمكن أن يتم. غيرأني أؤكد أنها وصية صديق. وهي رغبة ليس إلاّ. ولم أستطع مفارقة الجدار، إلاّ بعد أن شعرت بكتفي يمسك، ويد تعتصره، وذراعين تحتضناني فارتميت على كتفه، مختنقًا بالبكاء الذي تدفق بقوة كالصنبور، وأطلق لساني هذيانًا. أبعدني عنه وهو يسأل:
-مابك كيف أراك هكذا في لحظة لقائي هذا بعد سنين طويلة...؟!
-أدرت رأسي نحو الجدار، حدّق صوبه أيضًا قائلًا:
-إنها حالة اعتيادية كما تراها ، ونحن نطالعه كل يوم.
-وأنا هل أجده كذلك. لقد اندفع مشهده أمامي فجأة..!!
-ماذا نكون دون هذا الجدار ياصديقي..؟!
-لاشيء، إنه ألبوم كبير.
-هذا صحيح.
-هل رحل كل هؤلاء حقًا..؟!!
-كما ترى.
-ومن بقي بعدهم؟!
-الكثير يا أخي، لكنهم مبعثرون.
-كيف..؟!
-اللافتات تحفظ تحتها تراكمات لا نستطيع عدّها.
أمسك بكفي ثم سحبني قائلًا:
-لا عليك.. لا تقلق..