فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 72

ثم واصلت السير متذكرًا ذلك. كانت النقطة التي أضع فوقها قدمي، تشرع من الجسر الحديدي العتيد، حيث ثبت في خارطة رأسي مثل هذا متذكرًا قولهم، إن الجسر لا يستطيع مد جسده وعموده الفقري. لكي يقلّني كالمارد إلى الضفة الأخرى، فقد تعرض لقصف مميت أثناء الحرب. ولم أصدق، إذ ابتدأت من نقطة تصاعده فبدت مهشمة، وقد تشظت أجزاؤه، وتبعثرت، لذا انحنيت إلى الجانب منه، حتى شارفت على ماتبقى منه، مفتقدًا السياج الذي حفرت عليه اسمي وتأريخ ما على ناصيته، كان أشبه بأنف طويل خرافي انبثق من الماء واتجه نحو السماء، أما بقية الأجزاء، فقد تلاشت تمامًا. وإلى جانبه جسر عائم يشبه خيطًا نسيجيًا. يتمايل بين حين وآخر، كتمت حزني. ولم ترق لي مشاهدته على هذه الصورة، وهذا ما يعرفه، كل من بقي صبيًا في المدينة، ومايربطه بهذا الجسر، والظروف التي شُيد فيها، لقد كان كرنفالًا يوميًا، دام سنين ، ونحن نزوره يوميًا يقفل أصحاب الدكاكين محلاتهم، ويكونون في مواقع العمل كالسيّاح. نتطلع إلى تلك المكائن والرافعات العملاقة التي تشبه حيوانات خرافية، إلى تلك المطرقة التي كانت تدك رأس المدينة، وهي تضرب على مسمار عملاق، يتوغل إلى باطن الأرض، مخترقًا أعماق المياه وصخوره، وكم كان بودي لو كان صاحبي معي، لكي يقف ويرى ويسجل في ذاكرته، وكيف لي أن أزجه معي في هذه الصور المبعثرة، والمؤلمة في المدينة، التي كانت ترقد بسلام أمام حضرة نهرها الهادئ، يستقبل الفرح وجريان المياه، يستقبلنا صبية وشبابًا وشيوخًا. واشتدت حاجتي أكثر لصاحبي، وأنا أقف أمام الساحة الواسعة ذات الحوض الواسع الذي انتصبت وسطه حديقة كبيرة يتوسطها تمثال هيئته ضخمة. كانت الساحة تستقبل بشكل منتظم السيارات. وهي تتوزع على شوارعها الأربعة، وثمة أرصفة انزرعت عليها المقاعد الاسمنتية، كانت على جانب من الازدحام والتلوث، مارّة كثيرون، وشارع ينبض بالحركة لم أشهد حركته هكذا سابقًا، بينما انتصب جدار عريض ومرتفع، حيث افترشته الإعلانات المختلفة، وتراكمت عليه اللافتات السود، ولشد ما استغربت وزاد حزني، وأنا أقرأ الأسماء المكتوبة على تلك اللافتات، والتواريخ البعيدة، والقريبة، التي ثبتت عليها، هل يعقل أن كل هؤلاء، رحلوا ؟! ومن تبقى منكم أيها الأصدقاء..؟! فلان بن فلان.. تقام الفاتحة على روحه الطاهرة في.. إنّا لله وإنّا إليه راجعون.. تقام الفاتحة.. وقل اعملوا فسيرى الله... على روح الفقيد فلان بن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت